كفى بالمرض واعظاً

كفى بالمرض واعظاً

 

صحيح أن العبارة الأصلية قيلت في الموت، لكن أليس المرض موتاً أصغر؟ تكون للمرء دنيا عريضة وآمال وأحلام، فإذا مَرِض المَرَضَ الشديد انحصرت دنياه في مرضه وغدت غاية آماله وأحلامه أن يتعافى منه. وكذلك المرء إذا مات، يكون قبل الموت صاحبَ خطط ومشروعات وأفكار وطموحات، فإذا قبض ملَكُ الموت نفسَه انقلبت آماله في طرفة عين، فنسي كل ما ترك في دنياه، وصارت غاية الغايات عنده وأعظم الأمنيات هي نجاته من السؤال والحساب والعذاب.

هذه الأولى، والثانية أننا نجد الواحد من الناس مشغولاً بشغل لا يظن أنه يمكن أن يُترَك أو يؤجَّل، فإذا أصابه المرض خرج من أعماله كلها ولم يبقَ له شاغل إلا مداواة مرضه والنجاة من معاناته وآلامه. وكذلك الناس في هذه الدنيا، يحسب الواحد منهم أنه يقوم بعمل فريد لا يستطيع تركَه ولا يعمله غيرُه، ثم يمضي فتبقى الدنيا ويعيش الناس. كم وارت القبورُ أناساً انقطعت بموتهم أعمالٌ كانوا يظنون أنها لا يمكن قطعها، ولعلهم فرّطوا بسببها في حقوق الله وحقوق العباد؟

 ماتوا فما ماتت الدنيا لموتهمُ   ***   ولا تعطلت الأعياد والجُمَعُ

 *   *   *

 مررت ببضعة أيام ثقال، لكني لا أحب أني لم أمرض، فإن للمرض فوائد منها تكفير الذنوب ورفع الدرجات بفضل الله وكرمه، ومنها تذكيرنا بنعمة عظيمة ألفناها حتى نسيناها ونسينا شكر الله عليها. إن المرض يذكّر المرء بالعافية التي يعيش فيها كل يوم ولا يباليها، يذكّره بأنه يعيش مع نِعَم كبرى لا يحس بها، فهل ينبغي أن يفقدها حتى يدرك قيمتها ويشكر المنعم الذي أنعم عليه بها؟

مَن لم يزده مرضُه قرباً من الله فقد خسر الكثير. عافاكم الله.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s