لماذا يُبتلى المؤمنون؟

لماذا يُبتلى المؤمن؟
لماذا تُبتلى جماعة المؤمنين؟

مجاهد مأمون ديرانية

مَسّت البأساء والضراء الناسَ في سوريا والعراق وغيرهما من بلاد الإسلام، فرضي قوم وفوّضوا أمرهم إلى الله مولاهم راضين مستسلمين، وسأل غيرُهم ساخطين أو تساءلوا مستغربين: لماذا يا رب؟ لماذا ابتليتنا وأنجيت من البلاء الظالمين؟

*   *   *

إن الله تبارك وتعالى لا يعامل المؤمنين كما يعامل الكافرين، لا أفرادَهم ولا جماعاتهم، فهو يحب المؤمن ويرجو له حُسن العاقبة ويريد له الخير في الدار الآخرة، فما يزال يذكّره به ويُلجئه -بالابتلاء- إليه حتى يَذْكرَه ويدعوَه فيكفّر خطيئته ويغفر له ويرفع درجته. أما الكافر فلا يباليه ولا يعبأ به ولو بغى وكفر، بل يتركه ويمدّ له، وانظروا إلى قوله تعالى: {مَن كان يريدُ العاجلةَ عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}، وقوله: {أفمَن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيهِ كمَنْ مَتّعناه متاع الحياة الدنيا، ثم هو يوم القيامة من المُحْضَرين؟}

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إن المؤمن إذا أصابه السَّقَم ثم أعفاه الله منه كان كفارةً لما مضى من ذنوبه وموعظةً له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفِي كان كالبعير عَقَلَه أهلُه ثم أرسلوه، فلم يدرِ لِمَ عقلوه ولم يَدْرِ لِمَ أرسلوه”. ولما نزلت {مَن يعمل سوءاً يُجْزَ به} قال أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله، وأيُّنا لم يعمل سوءاً؟ أوَ إنّا لمَجزيّون بما عملنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون (وهنا الشاهد في الحديث) فتُجزَون بذلك في الدنيا حتى تلقَوا الله وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيُجمَع لهم ذلك حتى يُجزَوا به يومَ القيامة”.

*   *   *

هذا القانون لا يقتصر على الفرد؛ إنه قانون عام يعمل مع الجماعة كما يعمل مع الأفراد، فالله تبارك وتعالى يصيب الجماعة العاصية بالمصائب لتتذكره وتعود إليه: {وما أرسلنا في قرية من نبيّ إلا أخذنا أهلَها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون. ثم بدلنا مكان السيئة الحسنةَ حتى عَفَوا وقالوا قد مسَّ آباءنا الضرّاءُ والسرّاءُ، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}.

هل لاحظتم التعليل الذي ساقه القرآن لتفسير البأساء والضراء؟ “لعلهم يضّرّعون”، أي عسى أن يتذكروا الله فيَدْعوه ويتضرّعوا إليه. فلما عافاهم الله من البلاء (بدّلنا مكان السيئة الحسنةَ) ازدادوا بعداً عن الله وأنكروا الفعل الإلهي أصلاً، فقالوا: لقد مسّ آباءنا الضررُ من قبل؛ أصابتهم مصائبُ وكَرَثتهم كوارثُ، ثم نجوا وبقوا وتناسلوا، فإذن: إن الكوارث ظواهر طبيعية نعاني منها نحن كما عانى منها مَن قبلنا، وننجو منها كما نجا مَن قبلنا، ولا علاقة لها بكفر وإيمان ولا بتصديق وتكذيب!

هذا المعنى نجده واضحاً في الآية الأخرى أيضاً: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسُنا تضرعوا، ولكنْ قسَتْ قلوبُهم}، أي أن قسوة قلوبهم منعتهم من التضرع حتى وهم في جوف الكارثة، فماذا صنع الله بهم؟ بقيّة الآية هي الجزء المرعب: {فلما نَسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}، أي أن الله مَدَّ لهم وأعطاهم من الدنيا بلا حساب، وهذا المَدّ والعطاء أفرحهم بلا ريب، ولكنْ ليس طويلاً، فقد كان قَدَرُ الله بالمرصاد: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة}! وبئس المصير.

*   *   *

إن المؤمن إذا أصابته المصيبة لجأ إلى الله ودعاه سائلاً العافية، فإذا عوفي شكر وإذا طال البلاء صبر. والصبر مقرون بالدعاء، والدعاء عبادة، فصار البلاء سبباً في تكفير الذنوب ورفع الدرجات وإنابة العبد إلى مولاه، وهو للمؤمن خيرٌ في كل حال.

اللهمّ إنّا مُستضعَفون، وأنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى مَن تَكِلُنا؟ لا تكِلْنا -ربَّنا- إلى أنفسنا الضعيفة المقصّرة فنهلك، ولا إلى عدو قوي يسطو علينا ويملك أمرنا. إن لم يكن بك غضبٌ علينا فلا نبالي، غيرَ أن عافيتك هي أوسع لنا. اللهمّ اعفُ عنا بفضلك وكرمك ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، وأبدلنا بالضيق فرجاً وبالبلاء عافية، يا أكرمَ الأكرمين، يا أيها الرحمن الرحيم.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s