الأبطال المَنسيّون

ab_ayham


الأبطال المَنسيّون

مجاهد مأمون ديرانية

“طمنّي يرحم أبوك، اشتقت للولاد، ما عَبشوفن من الضغط. مشتهي أنام ببيتي يوم واحد فقط، والله مشتهي أنام ساعة!”

تلك كانت آخر كلمات الشهيد أبي أيهم أحرار، الذي رابط على جبهات حلب في أثناء الاقتحام أياماً وليالي لم يَطعَم فيها إلا أقل الطعام ولم يَنَمْ إلا أقل المنام، ثم لم يلبث بعد كتابتها إلا قليلاً حتى فارق دنيانا الفانية إلى دار الخلود والبقاء، فاستُشهد قبل الجلاء عن حلب بأيام معدودات تاركاً وراءه صِبْيَة صغاراً لن يروه بعد اليوم.

في حلب أيضاً رابطت ثلّة من مجاهدي فيلق الشام في حي الكلاسة عندما بدأت مليشيات العدو باقتحامه. علموا أن الأعداء لو اقتحموا الحيّ فإن المدنيين سيتعرضون لأسوأ مصير، فتعاهدوا على الثبات والقتال حتى الموت دفاعاً عن الحي حتى ينسحب آخر مدني بأمان. حوصروا في مساحة ضيقة وفُتحت عليهم أبواب الجحيم فقُصفوا بالمدافع والطيّارات، ولم ينسحبوا ولم يستسلموا، وما زالوا يتساقطون شهداء واحداً بعد واحد وهم ثابتون، حتى سقط آخر شهيد فيهم مع انسحاب آخر مدني من الحي، ففَنِيَت المجموعة كلها وسَلِمَ الناس.

في حلب أيضاً رابط مئات المُسعفين والممرضين والأطباء في المشافي التي ما فتئت تتعرض للقصف والتدمير، ورفضوا الخروج رغم عروض الخروج المتكررة، وفيها صمد وثبت عناصر الدفاع المدني واستمروا بإنقاذ المصابين وإخراج العالقين من تحت الركام إلى اليوم الأخير. أمضى أولئك الأبطال المجهولون أسابيع طويلة في عمل متصل وبذلوا جهوداً خارقة وقدموا تضحيات تفوق الخيال. كان بوسعهم أن يَنْجوا بأنفسهم في وقت مبكر ويستغلوا الفرصة فيخرجوا من الخطر إلى الأمان، لكنهم أصروا على الصمود والمضيّ بالعمل إلى النهاية ليكونوا آخر الخارجين.

ليست هذه قصصاً مفرَدة ولا حالات نادرة؛ إنها صورٌ متكررة في ألبوم الرجولة والبطولة الذي أنتجته حلب أخيراً ومناطق سوريا كلها من قبل، بعضُها عُرف ونُشر وبعضها لم يُعرَف ولم يُنشَر. أما أولئك المجاهدون الأبطال -مَنْ سَلِمَ منهم ومن أسلم الروح لبارئه- فقد طوى الزمانُ أسماءهم فلم يُعرَف منهم إلا أقل القليل، لكنّ عزاءهم أن أهل السماء عرفوهم ولو جهلهم أهل الأرض، وأن رب الناس عرفهم وأكرم وفادتهم ولو جهلهم كل الناس.

*   *   *

نعم، في ثورتنا غلاة مفسدون وجناة فاسدون وقادة خائبون، وفيها لصوص ومنتفعون ومتسلقون كثيرون، ولكنّ فيها أضعافَ أضعافِهم من المخلصين الصادقين الذين يعملون بصمت ويضحّون بصمت ويموتون بصمت، ولا يريدون ذكراً في الدنيا ولا شكراً من أهلها، لا يرجون إلا ما عند الله من الثواب الكريم والأجر العظيم.

لا ريب أن الأولين يسوّدون صحائف الثورة ويسيئون إليها ويؤخرون النصر ويُطيلون الطريق، ولكن آلافاً وعشرات ألوف منهم لن يهزموا عشرة ملايين من الأحرار الأخيار الصالحين، إلا لو سكت الصالحون عن الطالحين وسمح أهل البناء لأهل الهدم بهدم البناء وهم ساكتون ساكنون، وأرجو أنهم لا يفعلون.

 

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s