كونوا مثل “حماس”

كونوا مثل “حماس”

مجاهد مأمون ديرانية

قرأت لأخ فاضل كلمة قيّمة قال فيها: ما لنا تركنا التجربة الناجحة، تجربة حماس، وذهبنا نلهث وراء التجارب التي لم تَرَ الأمة منها خيراً قط، تجارب القاعدة الفاشلة المدمّرة؟

قلت: أحسنَ -والله- وأصاب، وقد حان الوقت لنتدارك هذا الخطأ القاتل، فنترك ما يضرّنا إلى ما ينفعنا، ونستفيد من تجربة ثورية جهادية تحررية ليس في زماننا أحسن منها. فكيف نصنع ذلك؟ لنتعرّفْ على أهم خصائص هذه التجربة العظيمة، ثم لنسعَ إلى الاستفادة منها بصدق وإخلاص.

*   *   *

(1) قيادة عسكرية واحدة وقيادة سياسية واحدة.

وليست عظمة التجربة في توحيد القيادتين فحسب، بل في التآلف والتكامل الذي طبع العلاقةَ بينهما على مَرّ السنين، فما رأينا قَطّ أحدَهما يخوّن الآخَرَ يوماً أو يهوّن من عمله أو يحقّر دوره، ولا فَشَتْ فيهما تلك التعبيراتُ القبيحة التي أنهكت ثورتنا وعطلت جزءاً كبيراً من طاقتها الفاعلة: ثوار الداخل وثوار الخارج، أو أهل الخنادق وأهل الفنادق. لقد بقي رجال حماس جميعاً صفاً واحداً، فلم يُصَبْ حملة السلاح في فلسطين بداء الكِبر والغرور الذي أصاب كثيراً من حملة السلاح في سوريا، فتكبروا واستعلَوا على غيرهم من أهل الثورة، من العاملين في السياسة والإغاثة والإدارة والدعوة والإعلام.

(2) قبول المختلف واستيعاب الطيف الواسع في الساحة.

فلم تَضِقْ حماس بمنهج ولا ضَيّقت على أصحاب فكر، ما خلا أصحابَ مشروع التشييع ومشروع التكفير، فقد قابلَتهما بحسم وحزم عجزَت قُوانا الثورية عن مثله، ففرّخَت القاعدة في أرضنا وأنبتت نبتة خارجية خبيثة. لقد انشغل مجاهدو حماس بعدوّ واحد وجّهوا إليه سلاحهم وظهرُهم آمِن، أما مجاهدو سوريا فلم يشعروا قط بالأمان، فالعدو الجليّ من أمامهم والعدو الخفيّ من ورائهم، إنْ سلموا من طيارات النظام لم يسلموا من غدر الغلاة، فانتهبت داعش أرضَهم المحررة، واغتالت جند الأقصى القادةَ والكوادر، وبغت النصرة على الفصائل وفكّكتها فصيلاً بعد فصيل.

(3) تكريس المشاركة العامة والاستفادةُ من الخبرات والكفاءات الشعبية وعدمُ احتكار المناصب الإدارية والتنفيذية.

فمَن كان أكثرَ خبرة وقدرة فهو الأحق بالمنصب مهما كانت هويته وأيّاً يكن انتماؤه، أما عندنا فقد احتكرت الفصائل كل شيء: العمل العسكري والأمني والسياسي وإدارة المناطق المحررة وأعمال الإغاثة والخطابة والفتوى والدعوة والتعليم، فمَن كان أقربَ انتماءً وأكثرَ ولاءً فهو أحق بالمنصب ولو كان أجهل الناس به وأعجزَهم عنه، ومن لم يَحْظَ بشرف الانتساب للفصيل المهيمن فلا حَظّ له فيه ولو بلغ الغاية في العلم والخبرة.

(4) الاهتمامُ بالناس واحترامُ رأيهم واختيارهم وصيانةُ حريتهم وكرامتهم، والتركيز على الخدمات لا على الشعارات.

لم تصل حماس إلى السلطة بقوة السلاح الذي حملته في يدها، بل بقوة الجمهور الذي وثق بها فاختارها برضاه. ثم لم تتدخل في حياة الناس ولا فرضت عليهم شكلاً من أشكال التديّن، ولم تتذرع بخطر الأعداء لتصادر حرية الناس وتنتهك كرامتهم أو لتحرمهم من الحقوق والخدمات. ولم تقل يوماً إن مجاهديها معصومون فيجوز لهم البغي والظلم لأنهم مجاهدون، بل كانوا من أرفق الناس بالناس وأبَرّهم بهم، فوثق الناس بهم وقدموا لهم الأولاد والأموال، فيما فضّل بعض الناس -في بعض المناطق المحررة في سوريا- العودة إلى مناطق النظام ليتخلصوا من ظلم الفصائل التي ادعت الجهاد ورفعت راية التوحيد.

(5) الأمانة والاستقامة ونظافة اليد.

فرغم كثرة أعداء حماس وخصومها لم يستطع أحدٌ أن يثبت على قادتها فساداً أو سرقة أو استغلالاً للمنصب أو سطواً على المال العام. وقد رأينا كلنا البيتَ المتواضع الذي كان يقيم فيه أبو العبد قبل أن يكون رئيساً للوزراء وبقي يقيم فيه وهو رئيس الوزراء، فقعد على الأرض وأكل على الأرض كما يقعد ويأكل عامة الناس. أما في سوريا فقد ارتقى كثير من قادة الفصائل من قعر الفقر إلى قمة الغنى، فزادت أرصدتهم من الأموال والأملاك، بل ومن الزوجات في كثير من الأحيان! فيما افتقر عامة الناس وفقد كثير منهم كل شيء، البيوت والسيارات والممتلكات والأموال والأولاد.

*   *   *

هذه خمسةٌ لو صرنا فيها مثل حماس فسوف نصمد مهما بلغ الضغط ومهما طال الطريق بعون الله، ولنا في أهل فلسطين سابقة وعبرة وأمل: قيادة عسكرية واحدة وقيادة سياسية واحدة يعملان بتكامل وانسجام، واستيعاب الطيف الواسع في الساحة والحزم مع أهل الغلوّ والتكفير، واحترام الإرادة الشعبية والاستفادة من الخبرات والكفاءات -مهما تكن هوية أصحابها- وعدم احتكار المناصب الإدارية والتنفيذية، والاهتمام بالناس وحياة الناس والتركيز على الخدمات لا على الشعارات، والأمانة والاستقامة ونظافة اليد وقطع دابر الفساد ومحاسبة الفاسدين.

Advertisements
هذا المنشور نشر في رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s