كلمة عن جمال عبد الناصر

كلمة عن جمال عبد الناصر

مجاهد مأمون ديرانية

قرأت قبل يومين منشوراً غريباً تمنّى كاتبُه أن تُرزَق سوريا بمثل جمال عبد الناصر، لينقذها من الفساد والاستبداد كما أنقذ عبدُ الناصر مصرَ من فساد فاروق واستبداده.

فقلت في نفسي: سبحان الله! أهكذا يزوَّر التاريخ وما يزال شهودُه أحياء؟ لو شاء الكاتب أن يمدح عبد الناصر فقال إنه لم يبلغ الدرك الأسفل في الفساد المالي والأخلاقي الذي بلغه غيرُه من الرؤساء لسكتنا، أمّا أن يصفه بمنقذ مصر من الاستبداد فلا، إنّ هذا كثير، فالرجل لم يكن طاغية مستبداً فحسب، بل يصح أن نقول إنه “عميد الطغاة العرب”، وإنه كبيرهم الذي علمهم السحر وتقدّمهم في طريق الطغيان والاستبداد.

*   *   *

لعل أحداً لم يُنصف عبد الناصر أكثر من الأستاذ أحمد أبو الفتح في كتابه الكبير الذي كتبه عنه بعنوان “جمال عبد الناصر”. باختصار: الرجل كان نظيفاً من الناحية المالية والأخلاقية، فلم يُعرَف عنه فساد أو سرقات كالتي رأيناها في أكثر الطغاة قبلَه وبعده، وباستثناء ذلك كان طاغية من أسوأ الطغاة. وما فائدة أن لا تكون للرئيس مغامرات نسائية ولا يعاقر المسكر ولا يسكن القصور إذا كان يحارب الدين ويغتال الكرامة ويحاصر الحرية ويعتقل ويعذب ويقتل مئات الآلاف من الأبرياء ويحبس الشعب كله في سجن كبير؟

لقد أراد عبد الناصر شيئاً واحداً وحصل عليه: “النفوذ المطلق”. أو بكلماته التي نقلها عنه صديقه الذي بطش به بعد ذلك، حسن العشماوي، كما رواها في كتابه “الأيام الحاسمة وحصادها”، قال جمال: “أريد أن يكون على مكتبي زرّان، أضغط على أحدهما فيقوم الشعب كله، وأضغط على الآخر فيجلس الشعب كله. لا أريد في مصر عُصاة”.

أراد عبد الناصر السلطان المطلق، وفي سبيله كذب وعذّب واعتقل وقتل ونفى وغدر بأقرب الناس إليه، فلم يَسْلم منه أصحابُه في مجلس الثورة ولا الرئيس محمد نجيب ولا الأحزاب ولا الشيوعيون ولا الإخوان… كل مَن وقف في طريقه راح بين قتيل ومغيَّب وراء القضبان. وقد صَحّتْ فيه كلمة أنور السادات لخالد محيي الدين بعد الانقلاب (الذي يسمونه ثورة يوليو، وهو في الحقيقة انقلابٌ عسكري كامل الأركان) قال له: عبد الناصر سيأكل الكل، ولن ينجو إلا الذي “سيَلْبد بين سنانه”. وصيّة فهمهما السادات وطبقها بدهاء، فبقي هو وحده، وذهب أصحابُه جميعاً فلم يبقَ منهم أحد.

*   *   *

ثم يقول كاتب المقالة إن عبد الناصر أنقذ مصر من الباشوات ومن العسكري أبي سوط! أحقاً فعل؟ إمّا أنّ مَن كتب هذه المقالة لم يقرأ صفحة من تاريخ مصر الحديث أو أنه مغرم برواية الخرافات.

مَن أراد أن يعرف ماذا صنع عبد الناصر بالباشوات وبالعسكري أبي السوط فليقرأ كتاب المؤرخ المصري الكبير الدكتور حسين مؤنس، “باشوات وسوبر باشوات”، وسوف يرى كيف ذهبت طبقة الباشوات القديمة لتأتي طبقة باشوات جديدة من جماعة الثورة، كانت أسوأ من القديمة بألف مرة. أمّا العسكري أبو السوط فحل محلّه باستيل مصر، السجن الحربي، وليمان طرة وأبو زعبل وغيرها من الباستيلات التي غاب فيها خيرُ رجال مصر كما غاب في باستيلات سوريا خير رجال سوريا… نوع واحد من الضحايا ونوع واحد من الطغاة.

باختصار: قد تكون فترة حكم عبد الناصر في مصر هي أسوأ ما مَرّ عليها في خمسة قرون بلا مبالغة، فكيف جاز أن يصنَّف بطلاً بعد ذلك كله؟ أمَا إن هذا من أعاجيب وألغاز الزمان!

 

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح, مصر وثورة مصر وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s