أتكونُ عبادةٌ بلا أخلاق؟

أتكونُ عبادةٌ بلا أخلاق؟

مجاهد مأمون ديرانية

كل الناس يعرفون العبادة الظاهرة ويهتمون بها ويحرصون عليها، وبها يحكم الناسُ بعضُهم على بعض ويحاكم بعضهم بعضاً، إمّا رفعاً ومدحاً أو انتقاصاً ومذمّة: كصلاة الجماعة وكثرة النوافل والتزام الأدعية، وما ظهر للناس من الهيئة واللباس كاللحية للرجال والحجاب للنساء.

أما أخلاق الإسلام وقِيَمه التي تترتب على العبادات وترتبط بها ارتباط السبب بالنتيجة فإنها أهونُ شأنا عند عامة الناس، وهم قليلاً ما يلتفتون إليها ويهتمون بها أو يذكّرون بها أنفسَهم والآخرين، رغم أن العبادة لا تكاد تتمّ وتُقبَل إلا بها، وأنّ حُسنَ الخلق مرتبطٌ بالإيمان ارتباطاً وثيقاً؛ سُئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما أكثرُ ما يُدخل الناسَ الجنّة؟ قال: “تقوى الله وحُسن الخلق”، وقال: “الحياء والإيمان قُرَناء جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر”، وقال: “إنّ الفحش والتفحّش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنُهم خُلُقاً” (الأحاديث الثلاثة في صحيح الترغيب).

*   *   *

أتكون عبادة بلا أخلاق؟ ماذا يقول ربنا تبارك وتعالى عن الصلاة؟ {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، فكم من المصلين انتهوا عن المنكر والفحشاء جميعاً؟ والصوم؟ “مَن لم يَدَعْ قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامه وشرابه” (البخاري)، “ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإنْ سابّكَ أحدٌ أو جهل عليك فقل إني صائم” (صحيح الجامع)، فكم من الصائمين تركوا البذاءة وسوء الخلق؟ والحج؟ {الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}، فكم من الحجّاج تابوا عن المعاصي وتركوا الخلق الرديء؟

إن عبادةً بلا أخلاق تُسقط القضاءَ ولكن لا يترتب عليها ثوابٌ كما قال العلماء، أي أنها تنجّي صاحبَها من عقوبة ترك الفريضة فحسب، لكنه لا يضيف بها إلى رصيده أيّ حسنات. لذلك جاء في الحديث الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة: “رُبّ صائمٍ ليس له من صيامه إلاّ الجوع، ورُبّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر”.

*   *   *

رحم الله عمر صاحب الفقه والبصيرة، لقد علم أن الأمانة والعدل والصدق وسائر الأخلاق ليست أقل شأناً من الصلاة والصيام وقراءة القرآن وسائر العبادات.

روى البغوي بإسناد حسن أن رجلاً شهد عند عمر فقال له: لست أعرفك، ولا يضرّك أن لا أعرفك، فائتِ بمَن يعرفك. فقال رجل من القوم: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: بأيّ شيء تعرفه؟ قال بالعدالة والفضل. فقال عمر: أهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم اللذين يُستدَلّ بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يُستدَلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لستَ تعرفه. وفي رواية أن عمر قال للشاهد: لعلك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!

يا أيها المسلمون: أكملوا طاعتكم لله بالتخلّق بكرائم الأخلاق، فإنها روح العبادة والجزء الأصعب منها الذي يجعل المسلمَ مسلماً حقاً ناجياً عند الله، وإنّ عبادةً لا تقوّم السلوكَ ولا تحسّن الخُلُق إنما هي بدن ميت لا روحَ فيه. وإذا حكمتم على الناس فلا تحكموا عليهم بالظاهر من صلاتهم وصيامهم وهيئاتهم وأزيائهم فحسب، بل انظروا إلى خُلُقهم وسلوكهم، فإنهما الميزان الذي يوزَن به صلاحُ المرء وتقواه.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s