هل نقفز من السفينة؟

هل نقفز من السفينة؟

مجاهد مأمون ديرانية

نشرت أمس “حكاية قصيرة” عن السفينة التي أسلمَها خلافُ طائفة من ركابها إلى التيه والتخبّط في عُرض البحر الزخّار، فكان السؤال: إذا اختلف الربابِنةُ والقباطِنةُ فماذا يصنع سائر الركاب؟ هل يقفزون من السفينة؟

الجواب في حديث النبي الهادي إلى الرشد والنجاة، فهو -عليه الصلاة والسلام- الذي شبّه الجماعةَ المسلمة بركاب السفينة، وهو الذي علّمنا ما ينبغي أن نصنع حينما توشك أن تتسبب حماقةُ بعض الركاب في غرقها. كلنا نحفظ الحديث، لكن الأقلّين هم الذين يطبّقون وصفته القاسية: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وأن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعاً”.

*   *   *

سيقول قائل: عرفنا العلاج النبوي وأردنا اتّباعه، غيرَ أنّا لم نعرف: مَن الذي يخرق السفينة؟ أقول: إنّ مَن لا يستطيع أن يميّز بين من يخرق السفينة ومن يأخذ على يد الخارق ليس أحسنَ من الذي لم يميّز بين الجلاد والضحية، بين النظام الظالم المستبد والثوار الأحرار الذين ثاروا عليه أولَ مرة.

نعم، ما يزال فينا، في ركاب السفينة، مَن لا يحسن التمييز، بل إنّ فينا من يقف في وجه من يريد منع الخارق من الخرق، يقول: هذا راكب صالح من الركاب، لماذا تعارضه وتعاديه؟

ويلكم يا هؤلاء، اقرؤوا الحديث! لا تهمنا نيّة صاحب العمل بل تهمنا نتيجة العمل. الذين خرقوا السفينة -في الحديث- لم يصنعوا ذلك ابتغاء الشرّ، بل ابتغاء الخير الذي توهّموه؛ قالوا: “لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا”. النبي عليه الصلاة والسلام لم ينظر إلى نياتهم، النيات مرجعها إلى الله يفصل فيها يوم الحساب، إنما المهم النظر إلى الأعمال، هذه هي مهمة العباد، واجبهم أن ينظروا إلى أثر العمل فيحكموا عليه، فيقبلوه أو يرفضوه. فإذا تحقق فيه الضرر وجب عليهم، فُرِض عليهم فريضةً لازمةً أن يقاوموه ويغيّروه، فالسيّئ فيهم مَن تقاعس عن مقاومة الشر وتغييره، وأسوأ الجميع هو مَن عارض الذين يريدون الإصلاح والتقويم. هذا شر الناس على الإطلاق، ويؤسفني أن أقرّر أن عندنا منهم في ركاب السفينة كثيرين.

*   *   *

في سفينتنا رَبابينُ وقَباطينُ يصرّون على توجيه السفينة إلى الهلاك، وفينا من يساعدهم باليد أو يدافع عنهم باللسان، وفينا من يمنع الآخذين على أيديهم من الأخذ على أيديهم ويمنع المصلحين من الإصلاح.

فإمّا أن يتكاتف أهل السفينة جميعاً ويمنعوا الخارق من الخرق، أو يقذفوه من السفينة ويكملوا رحلتهم بسلام، أو سيتحقق فيهم وَعيدُ رسولنا الكريم: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً”، وإذن فلينتظروا مصيراً لا يفرق بين الذين ارتكبوا الجريمة والذين صفقوا لها وسوّغوها والذين سكتوا عن إجرام المجرمين.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s