الجولاني على خُطى عبد الناصر

الجولاني على خُطى عبد الناصر

مجاهد مأمون ديرانيّة

عندما نتأمل شخصية الجولاني ومشروعه وشخصية عبد الناصر ومشروعه نجد بينهما تشابهاً مدهشاً يكاد يصل إلى درجة التطابق الكامل، فهما يشتركان بأهم الصفات التي تميز الطغاة والمستبدين، كالميكيافيلية والوصولية والانتهازية والقسوة والغدر وانعدام المبدأ، وعلى رأسها “جنون السلطة”، فقد كان نَهَم عبد الناصر للسلطة حالةً مَرَضية، أو كما يصفه المؤرخ المصري الشهير محمد جلال كشك: كان لديه “شبق نادر إلى السلطة”، وهي صفة جوهرية في الجولاني يُجمع عليها كل من عرفه بلا استثناء.

إذا كان الجولاني شبيهاً بعبد الناصر في صفاته الشخصية وميله إلى الاستبداد فلن يكون مستغرَباً أن يمشي على خطاه وأن يُنتج مشروعاً مشابهاً لمشروعه باستعمال الأساليب نفسها، وهذا ما نكتشفه بلا عناء عندما نقارن بين ما صنعه عبد الناصر في مصر قبل ستة عقود وما يصنعه الجولاني في سوريا اليوم. هذه سبعة أساليب حاكى بها الجولاني أستاذَه واقتفى فيها خطاه.

(1) تصفية المنافسين

أراد جمال عبد الناصر الاستئثار بالسلطة المطلقة، ولم يكن تحقيق هذا الهدف ممكناً إلا بضرب جميع القوى المنافِسة وتصفيتها، ولأنه لم يكن قادراً على ضربها كلها معاً في وقت واحد فقد عزل بعضها عن بعض وحاربها مشتّتةً، فأسقطها واحدة بعد واحدة. الجولاني نفذ خطته بطريقة مشابهة، فحارب قوى الثورة العسكرية مشتّتةً وأسقطها واحدة بعد واحدة، ابتداء بفصائل الجيش الحر وانتهاء بأحرار الشام.

(2) المحرك العاطفي

كان عبد الناصر بحاجة إلى “محرك عاطفي” يحرك به الجماهير ويصرف انتباهَ الناس عن حكمه الاستبدادي، وقد وجد ضالته في “المشروع القومي” المزعوم وصراعه الموهوم مع الإمبريالية العالمية، فانقاد الغوغاء وراءه واستسلموا لمشروعه وهم يحسبون أنه يقودهم إلى الوحدة العربية والاستقلال والانتصار على أعداء الأمة. بطريقة مشابهة استغل الجولاني العاطفةَ الدينية وأوهم أتباعه ومواليه بأنه يقودهم لتحقيق حلم “الدولة الإسلامية”، فتبعوه غافلين مستسلمين.

(3) التسويق الإعلامي

لكي ينجح مشروع عبد الناصر كان بحاجة إلى دعم وتسويق إعلامي يحشد به الغوغاء ويخدع العامة، لأن الطغاة يحتاجون دائماً إلى أبواق تسوّق مشروعاتهم الاستبدادية. وهذا ما صنعه هيكل الذي قدم لعبد الناصر ما قدمه غوبلز لهتلر، وهو يشبه ما صنعه المحيسني في سوريا مع الجولاني، فقد أنفق سنوات في تلميع الجولاني وتسويق مشروعه، واستطاع اختراق معظم الفصائل والتأثير في عناصرها فصارت عاجزة عن مقاومة بغي النصرة واستسلمت له بلا مقاومة.

(4) الاختباء وراء مشروع

استأصل عبد الناصر الأحزاب السياسية وهيمن على المجتمع المدني، ولكي يتجنب الكشف عن مشروعه الاستبدادي ابتدع مظلّة وهمية تظلّلَ بها، فاخترع كياناً سياسياً سمّاه “هيئة التحرير” سيطر بواسطته على النشاط السياسي والنقابي والاجتماعي في البلاد. عندما أراد الجولاني الهيمنة على المناطق المحررة اخترع كياناً وهمياً يتيح له السيطرة الكاملة على الحياة السياسية والاجتماعية فيها وسماه “الإدارة المدنية”.

(5) الغطاء الجماهيري

أدرك عبد الناصر أنه يحتاج إلى “شخصية جماهيرية” توفر لمشروعه غطاء خدّاعاً، فتُطَمْئن المترددين وتجمع المؤيدين ريثما ينجح في إقصاء الخصوم وجمع خيوط السلطة في يده، فاختار اللواء محمد نجيب الذي كان يتمتع بقبول واسع وشعبية كبيرة في الأوساط العسكرية والمدنية. بطريقة مشابهة استعان الجولاني بالعقيد رياض الأسعد (صاحب الشخصية الرمزية) لامتصاص الرفض الذي قوبل به مشروعه (وكما غدر عبد الناصر بمحمد نجيب بعدما انتهى دوره سيغدر الجولاني بالأسعد ويصفّيه بعد انتهاء دوره).

(6) السيطرة بالقمع والترهيب

أطلق عبد الناصر العنان للأجهزة الأمنية، تعتقل من تشاء وتعذب من تشاء وتقتل من تشاء، فنشر الرعب وسيطر على الناس بالإرهاب. وهذا يشبه ما يصنعه الجولاني حالياً، فما هي غيرُ أيام بعد سيطرته على إدلب حتى بدأت أجهزته الأمنية بالمداهمات والاعتقالات، حتى نازحو داريّا ومضايا والزبداني لم يَسلموا من شَرّه. وكما غيّبَ عبد الناصر أحرارَ مصر في السجن الحربي غيّب الجولاني أحرار الثورة في باستيل العقاب.

(7) شيخ السلطان

بقيت مشكلة أخيرة أمام عبد الناصر، وهي استغلال الدين لخدمة مشروعه الاستبدادي. وعندما فشل في احتواء وشراء شيخ الأزهر، العالم الرباني الكبير الشيخ محمد الخضر حسين، عندها أقدم على جريمة “تأميم” الأزهر وجعل ولايته بالتعيين لا بالانتخاب، ثم جاء بالشيخ المأجور بائع الدنيا بالدين، عبد الرحمن تاج، الذي أفتاه بقتل الدعاة والمسلمين الصادقين. وهي الجريمة ذاتها التي ارتكبها مفتي الدم والسلطان أبو اليقظان، عندما أفتى عناصرَ النصرة بقتل خيار المجاهدين قتلاً عمداً إرضاء لسيده الجولاني، عليه وعلى سيده غضبُ الله.

*   *   *

هذه سبعُ خطواتٍ خَطاهنّ الجولاني متابعاً فيهنّ أستاذَه الكبير عبد الناصر، فهل نرجو منه بعدها مشروعاً يختلف عن مشروعه؟ هل ثار السوريون وقدّموا مئات الآلاف من الشهداء ليخرجوا من تحت الدلف لتحت المزراب؟

كلا ولا كرامة، قولوها بالصوت العالي، قولوا “لا” لمشروع الجولاني الجديد، “لا” لإدارته المدنية الكاذبة، “لا” لمشروع البغي والتغلب والقهر والاستبداد.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s