الدين في القلب!

الدين في القلب!

مجاهد مأمون ديرانيّة

من بركات ثورتنا العظيمة (التي خذلناها وجَنَينا عليها بأيدينا) أنها عرّفتني بكرام لم أكن أعرفهم. منهم رجل خَيِّرٌ جادَ بالوقت والمال وكان شعلة متّقدة من الحماسة والعطاء، عرفته على البعد زماناً ثم اجتمعنا في مجلس لطيف ذات يوم، فلما حضر وقت الصلاة لم يقم ولم يُصَلّ مع الحاضرين. وأنا لا أسأل أحداً ولا أعاتبه ولا أتصور نفسي وكيلاً عن الله في الحساب، وغاية ما عندي الكلمة المناسبة في موضعها، إلا أن أحد الحاضرين فعل وسأل، فتحرّج الرجل وقال: أنا مؤمن بالله ولكني لا أصلي لأنني أعتقد أن الدين في القلب.

ودار بين الاثنين نقاش لم أشارك فيه حتى سألوني، قلت: هل يحب أخونا الكريم أن يسمع ولا يسوؤه ما أقول؟ قال: بل يسرني أن أسمع، فقل بارك الله فيك.

قلت: إن قولك “الدين في القلب” يشبه قول القائل “إن الثورة في القلب”، فهو مقتنع بالثورة على الظلم والاستبداد متعاطف مع المظلومين والمحرومين، ولكنه لم يشارك في مظاهرة ولم يطلق رصاصة، بل إنه لم يتبرع من ماله للمجاهدين بثمنها، ولم يكفل يتيماً من أيتام الثورة ولا أعان أسرة معتقل أو شهيد، ولا شارك برفع المعاناة عن المنكوبين والمشردين بإرسال بطانية لبردان أو سلّة غذائية لجوعان أو دواء لمريض. ولماذا يفعل أي شيء من ذلك كله ما دامت الثورة في القلب؟

ربما قلت: لا يقارَن هذا بهذا، فإن الناس يحتاجون إلى المساعدة العينية، ولو أنني قَصَرت تفاعلي معهم على التعاطف القلبي فسوف يموتون جوعاً وبرداً ومرضاً، أما الله فإنه لا يحتاج إلى شيء من عباده. وهذا صحيح، وهو ما أخبرني وأخبرك به هو نفسه تبارك وتعالى فقال (في الحديث القدسي الصحيح): “يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم وإنْسَكم وجِنّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً”.

لماذا إذن طلبَ الله منّا العبادةَ والالتزام بما أمر والابتعادَ عمّا نهى وحرّم؟ لأن هذا هو الدليل على المحبة والطاعة. أستغفرُ الله من التشبيه فإن المخلوق لا يُشبه الخالق بشيء {ليس كمثله شيء}، ولكننا نضرب المثل أحياناً لتقريب الفكرة. أرأيت إلى الهدية الصغيرة يحملها إليك صديقٌ تحبّه، هل تحتاج إليها وتعجز عن شرائها بنفسك لنفسك لو أردت؟ مع ذلك فإنك تُسَرّ بها وتَحارُ كيف تُثيبه عليها، لأنك تدرك أنه لم يقدمها إليك إلا لأن لك موقعاً خاصاً في نفسه. ولله المثل الأعلى.

إن العبادة والالتزام هما الدليل على أن في القلب ديناً حقاً، كما أن العمل للثورة (وأقلّه الجود بالوقت والتبرع بالمال) هو الدليل على أن في القلب ثورة، فلا يمكن فصل العمل عن الشعور الصادق. وهكذا تصبح العبادة هي الدليلَ على التديّن الحق، وهو بغيرها دعوى بلا برهان.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s