الرحمة: مفتاح السعادة والفلاح

الرحمة: مفتاح السعادة والفلاح

مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

لو خُيِّرت بين خِلال الخير وصفات النجاح جميعاً فقيل لي “اختَرْ واحدة ودَعْ ما عداها” لاخترت الرحمة، لأنني إلى رحمة الله أحوجُ مني إلى ملء الدنيا من جوهر ومال، والطريق إلى رحمة الله يمرّ برحمة الناس: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء” (صحّحه الألباني من حديث عبد الله بن عمرو) ولأن الله حرّم رحمته على من لا يرحم الناس: “لا يرحم الله من لا يرحم الناس” (أخرجه البخاري من حديث جرير بن عبد الله).

ولأن الرحمة من أظهر صفات الناجين الناجحين في دار البقاء: {الذين آمنوا وتواصَوا بالصبر وتواصوا بالمَرْحَمة، أولئك أصحاب المَيْمَنة}. قال ابن عاشور في “التحرير والتنوير”: “خصّ بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها، والمرحمة ملاك صلاح الجماعة، قال تعالى: {رُحَماء بينهم}. والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، ومَن يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها”.

-2-

قال مصطفى لطفي المنفلوطي في قطعة جميلة نشرها في “نظراته” بعنوان “الرحمة”:

أيها الرجل السعيد: كن رحيماً، فلو تراحم الناس لما كان بينهم جائعٌ ولا عارٍ ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع واطمأنت الجُنوب في المضاجع، ولَمَحت الرحمةُ الشقاءَ من المجتمع كما يمحو لسانُ الصبح مدادَ الظلام.

أيّها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غيرَ صبية صِغار ودموع غِزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها، ويعبث الهمّ بقلبها فتُؤْثر الموت على الحياة. ارحم الزوجة أمّ ولدك وقَعيدة بيتك ومرآة نفسك، لأنّها ضعيفة ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذّب ثقته بك. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلاّ تفعل قتلتَه أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.

ارحم الحيوان، لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع ويتوجع ولا يكاد يُبِين. ارحم الطيور، لا تحبسها في أقفاصها ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، فإن الله وهبها فضاء لا نهاية له، فلا تغتصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحَيها. أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها، لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار، وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيُخيَّل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيّار.

أيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

-3-

وكتب علي الطنطاوي في مقالة لطيفة عنوانها “تسعة قروش”، نشرها سنة 1948:

هل تحبون أن تعرفوا ما هي لذة الروح وما هي راحة القلب؟ هل تريدون أن تذوقوا نعيم الجنة وأنتم في الدنيا؟ لا تحسبوا أني أصُفُّ كلاماً وأرصفُ ألفاظاً، إني والله أسوق لكم حقائق. فإن أردتم معرفتها ففتّشوا حولكم عن هذه الطفولة المحرومة وهذه النفوس المعذَّبة، ثم أوْلوها الإحسان.

وليست قيمة الإحسان بكثرة المال؛ إن كل غني يستطيع أن يتصدق بالكثير، ولكن غنيّ القلب بالإنسانية والنبل والحب هو الذي يستطيع أن يتصدق -مع المال- بالعاطفة المنعشة. فلا تضنّوا على الفقراء بإنسانيتكم، ولا تبخلوا عليهم بعطاء قلوبكم، وذكّروهم أنهم لا يزالون معدودين من البشر، وأنهم مثلكم لأب واحد ولأم واحدة، لآدم وحواء.

إذا شئتم أن تذوقوا أجمل لذائذ الدنيا وأحلى أفراح القلوب فجودوا بالحب وبالعواطف كما تجودون بالمال.

Advertisements
هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s