لا، ما نسيت دُوما

لا، ما نسيت دُوما

مجاهد مأمون ديرانيّة

كتب إليّ بعض الأفاضل معاتبين، قالوا: هل نسيت دُوما؟ قلت: معاذ الله أن أنساها، ولئن كتبت اليوم عن جوبر فقد كتبت قبل اليوم عن دوما مرّاتٍ ومرّات.

كتبت عنها منذ خمس سنين مقالة “سلامٌ عليكم يا أهل دوما”، فكان مما قلته في أولها: “ما تزال دوما تتلقى الضربات بعد الضربات وما تزال تحاصَر حصاراً من بعد حصار، فقد علم العدو أنها له بالمرصاد وأن أبطالها قد رفعوا راية الجهاد، فنصرٌ أو استشهاد، وعلم أن الغوطة هي أرض الملحمة في هذا الزمان وفي آخر الزمان وأنها على ثراها ستكون -بإذن الله- مصارع البُغاة الجُناة المجرمين، فضرب الغوطةَ كلها، وخَصّ قصبتَها الأبيّة دُوما بالنصيب الأوفر من الإجرام والعدوان، فما هانَ في دوما إنسانٌ ولا لان، ولا انحنى على أرضها رأسٌ للبغي والغيّ والطغيان”.

وقلت في آخرها: “أمَا إن أهل دوما ليَضربون لأهل سوريا الأمثال في الصدق والمروءة والإخلاص. لو شاؤوا لقالوا، ولكنهم أبَوا إلا أن يعملوا صامتين، وأن يجاهدوا صامتين، وأن يقدموا الشهداء بعد الشهداء صامتين. يا أهل دوما الأوفياء: سلامٌ عليكم، لقد كَبُرَ دَينكم وحقّ علينا الوفاء. بوركتِ يا دوما وبورك أهلك الكرام، رحمة الله على من قضى منهم والعزّ والمجد والنصر للباقين”.

وعندما وقفت الثورة كلها مع دوما في جمعة “دوما تباد” (في شباط 2015) كتبت مقالة طويلة قلت في آخرها: “لن تُرهب صواريخُ العدو وبراميلُه الغادرة المؤمنين الصامدين الصابرين في دوما، ولن تُخضعهم مئات الغارات كما لم تركعهم شهورُ الحصار الطوال. لن تُكسَر دوما -بعون الله- ولن تستسلم مهما اشتد الكرب ومهما طال الحصار؛ “دوما لن تباد” -بإذن الله- ما دام فيها رجال يملكون عزائم بأوزان الجبال”.

*   *   *

على أنني أتساءل: هل كان صمود دوما (الذي كتبتُ عنه ما كتبت) مَفخرة لدوما وحدَها أم مفخرة للسوريين جميعاً؟ ومثله الصمود المشهود لحمص القديمة والوعر وحلب ودرعا وداريا ووادي بردى وجوبر والقابون ومضايا والزبداني؟ أليس صمود هذه المناطق كلها مفخرة لكل سوري، بل للمسلمين جميعاً، كما هو صمود غزّة العزة اليوم وكما كان صمود سراييفو العجيب بالأمس القريب؟

مَن نظر بعين الإقصاء والأنانية الفصائلية والمناطقية لن يتردد في اتخاذ النصر والصمود مِرقاة إلى الفخر والكِبر والاستعلاء. وهذه عصبية جاهلية أعيذ بالله منها شرفاء دوما والغوطة، فإذا كانت أنفُس بعض المتعصبين قد استطابت تفتيت الغوطة الواحدة إلى غوطات فإنهم ما يزالون قلّة مرفوضة بحمد الله، وما يزال أكثر الشرفاء من أهل الغوطة وعامّة أهل سوريا مصرّين على أنها جسم واحد، وهم يرون أيَّ نصر يحققه أيُّ عضو من أعضائها نصراً للغوطة كلها وأيَّ فخر لجزء منها فخراً لها جميعاً. وكما كانت دوما على كل لسانٍ يومَ استهدفها العدو بمئات الصواريخ وأطنان القنابل والبراميل فكذلك صارت جوبر اليوم وهي تتعرض لأشرس عدوان، كالذي تعرضت له داريا العظيمة ذات يوم فاستحقت أناشيد المجد والفخار.

*   *   *

إن الغوطة وَحْدة واحدة وأرض واحدة ذات تاريخ واحد وحاضر واحد ومصير واحد، أهلها متراحمون متصاهرون مترابطون، كانوا كذلك وكذلك سيبقون إلى الأبد بإذن الله، لن تفرقهم عصبيات فصائلية ولا مناطقية ولا مذهبية ولا مصالحُ ولا أهواء، وما كنت أنا لأفرّق ما جمعه الله بكرمه وفضله ولا كنت لأفصل دوما عن أخواتها في غوطة دمشق، فما كتبت عن الغوطة يوماً إلا ولدوما الصدارةُ فيما كتبت، وهذا بعض ما جاء في مقالة نشرتها سنة 2012 بعنوان “بوركت يا غوطة دمشق” أختم به هذه المقالة:

 

لقد كانت الغوطة -مُذ كانت- مسرحاً من مسارح الجمال ومطرحاً من مطارح الجلال، وكذلك عرفتُها منذ عرفتها، فإذا هي اليوم منبع من منابع الرجال ومصنع من مصانع الأبطال.

كم مرةً ضرب النظامُ المجرم دوما وأخواتها الشقيقات في غوطة دمشق، حرستا وسقبا وزملكا وكفربطنا وعربين وحمورية وجسرين، ثم لا هي تلين ولا هي تستكين، ولكنها أبداً بركان متفجر بنيران الثورة والغضب؟ كم مرةً ضرب الكسوةَ والتل والزبداني ومضايا والهامة وقدسيا؟ كم سقط فيها من الشهداء وكم اعتُقل فيها من الأبرياء، فهل زادتها الضربات إلا إقداماً وهل زادتها إلا إصراراً وعزيمة؟

كم مرةً ضُربت الضمير وقارة وكناكر والكسوة والقدم وقطنا وعرطوز، ثم ما تزال تتوالد فيها أجيال للثورة من وراء أجيال؟ وداريا والمعضمية، أما شنّ عليهما نظام الاحتلال الحملةَ بعد الحملة من التنكيل والاعتقال حتى كاد لا يبقى فيهما رجال، فثَمّ خرجت الحرائرُ من الخدور وفارقنَ الدور إلى ساحات النّزال والسّجال، فكُنّ في الخِلْقة نساء وفي عجائب الأفعال أخوات الرجال؟

بوركتِ يا أيتها الغوطة الأبيّة الكَمِيّة، بوركتَ يا ريف دمشق الأشمّ الأكرم. لقد أريتم الدنيا -يا أبطال غوطة دمشق ويا أبطال ريف دمشق- معنى البطولة والرجولة، وأظهرتم من الثبات والبسالة والنجدة وصدق البأس ما أذهل أرباب الشكيمة والإقدام.

 

Advertisements
نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

جوبر: أسطورة الصمود

جوبر: أسطورة الصمود

مجاهد مأمون ديرانية

كتبت عن الثورة قريباً من ألف مقالة، نشرت أوّلَها في الثاني والعشرين من آذار 2011 وآخرَها صباح اليوم، فما رجعت في واحدة منها إلى إعلام النظام ولا ظننت أنني يمكن أن أفعل أبداً، حتى جئت اليوم أخالف ما ألِفْتُه ودرجت عليه، فأعتمد في كتابة هذه المقالة كلها على إعلام العدو لا على سواه.

فيما يأتي طائفة مختارة ممّا نشرَته مواقعُ وصفحاتٌ موالية للنظام، تُصوّر بعضاً من معاناة ومأساة العدو في معركة جوبر الخالدة.

*   *   *

“ما هو سرّ استعصاء جوبر حتى الآن؟ لقد سلبت هذه المدينة أجملَ رجال وشباب الوطن وتسببت بحالات بتر كثيرة وصُرفت عليها أكبر فاتورة حربية في معارك سوريا”. هذا ما نشرته صفحة “عرين الحرس الجمهوري” في الثلاثين من تموز، على رأس ستة أسابيع من بدء حملة النظام اليائسة، فعلّق أحد عناصر الحرس الجمهوري على المنشور قائلاً: “أنا أصبت فيها بلغم وطلقة قناصة، وحتى لحظة الإصابة لم أكن قد رأيت أي مسلّح من مسلّحيها. إنها مدينة أنفاق وأشباح”!

“سيدي سيدي، من تحت الأنقاض يطلعون ويقوّصون علينا” [أحد عناصر الفرقة الرابعة في اتصال لاسلكي مع قيادته، 4/8].

“يكفينا شرف المحاولة” [كلمات ردّدها عناصر الفرقة الرابعة بعد عجزهم عن اقتحام جوبر لليوم الخمسين على التوالي، 8/8].

“معركة تحرير جوبر هي أم المعارك، وقد تستغرق وقتاً طويلاً. لا تنظروا إلى جوبر كمساحة جغرافية صغيرة، لأن إرهابيّيها جعلوا منها مدينة أشباح تسكنها هياكل بشرية إرهابية تمرست بسفك الدماء. إنهم فوق الأرض وتحت الأرض. تحت الأرض توجد مدينة أخرى، حارات وبيوت جوبر تحتها بيوت وحارات أخرى. ما في جوبر هو خلاصة تجارب إرهاب العالم، أعان الله جيشنا على تحريرها” [صفحة “الغوطة الشرقية قادمون”، 11/8].

“تعتمد القوات الحكومية المتواجدة شرق العاصمة دمشق على العديد من الإستراتيجيات الهجومية لاستعادة السيطرة على مدينة جوبر الإستراتيجية. الأمور لا تسير كما كان مخططاً لها، وهو ما يعطي التنظيمات الإرهابية المزيد من الوقت لتدعيم إستراتيجياتها الدفاعية التي تم تطويرها على مدار ست سنوات من القتال وتحولت فيها المعارك إلى حروب تحت الأرض، مما يزيد الأمر صعوبة في السيطرة عليها من خلال الطرق التقليدية” [القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية، 13/8].

“رسالة وردت إلى قاعدة حميم: بخصوص معارك عين ترما وجوبر واحتمال عقد هدنة برعايتكم الكريمة: نرجو منكم أن تحققوا الهدنة فوراً أو أن تتدخلوا عسكرياً لحسم المعركة، فلا أحد يقبل بما يحدث على هذا الحال، شهداء وخسائر كبيرة لنتقدم بناء أو بنائين. إن جوبر مدينة تحتها مدينة، والضباط لا يهتمون، يرسلون العساكر ليستشهدوا. نتمنى منكم التدخل فوراً وإنهاء هذه المهزلة”. جواب القاعدة: “لا زلنا ندرس إمكانية إنهاء الصراع الدائر الذي لم يُحسَم حتى الآن، وهذه الإمكانية مُناطة بقدرة الفرق العسكرية الحكومية على إنجاز مهامها القتالية” [القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية، 16/8].

*   *   *

في السابع عشر من حزيران الماضي بدأت قوات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة هجوماً شاملاً على جوبر بعد إغلاق ملفات برزة والقابون وحي تشرين. كان الهجوم مباغتاً وشرساً جداً، استعان فيه العدو بأعداد هائلة من مقاتلي النخبة الذين احتفظ بهم في العاصمة طوال سنوات الثورة من أجل معارك العاصمة حصراً، واستعان معهم بعشرات الدبابات والمدرعات، مع إسناد مدفعي وصاروخي وقصف جوي مركّز كثيف، ومع الاستعانة بغاز الكلور السام الذي قُصفت به جوبر عشرَ مرات حتى الآن.

لعل العدو ظن أن المعركة قصيرة وأن الانهيار سريع، فانطلق الغُزاة في نزهة حالمة، يحسبون أنهم ينجزون المهمة الغادرة نهاراً ويبيتون ليلاً في البيوت. فطال ليلهم حتى أمسى بطول الأبد، وما لبثوا أن أدركوا -أسِفين متأخرين- أنهم سلكوا سَرَباً ليس له منفذ وسقطوا في أخدود ليس له قرار.

ما يزيد عن خمسين محاولة اقتحام فاشلة في شهرين خسر العدو فيها نحو ألف عنصر بين قتيل وجريح من صفوة قوّاته، الفرقة الرابعة وفرقة الحرس الجمهوري، وخسر عشرات الدبابات والآليات.

*   *   *

خلال سِتّ سنوات من عمر الثورة أصيبَ النظام بهزائم كثيرة، ولكنْ لا ريب أن أسوأ كوابيسه وأعظم هزائمه كانت في جناحَي دمشق المحلِّقَين: داريّا وجوبر. لقد كتبت داريا بصمودها الأسطوري صفحاتٍ خالداتٍ في سجلات المجد والعَلاء، وها هي جوبر تمشي على الدرب نفسه وتضيف إلى السجلّ الناصع صفحات جديدات كُتِبْنَ بالدم وكرائم التضحيات.

القوة الضاربة ونخبة قوات نظام الاحتلال الأسدي، الفرقة الرابعة وفرقة الحرس الجمهوري، لم يمرّغهما أحدٌ في أوحال الذل والمهانة والهزيمة كما فعلت داريا أولاً وجوبر آخِراً. بوركتِ يا داريا، بوركتِ يا جوبر، عليكما وعلى مقاتليكما الشرفاء سلام الله في الخالدين.

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

المعذَّبون في الأرض

المعذَّبون في الأرض

مجاهد مأمون ديرانية

المريض المبتلَى بالمرض المُضني معذَّب، والمَدين المبتلى بالدين الثقيل معذَّب، والأسير المبتلى بالأسر الطويل معذَّب، والشريد المبتلى بفراق الأهل والدار معذَّب، ومَن ابتُلي بفَقْد الحبيب القريب معذَّب، وأكثرُهم عذاباً مَن ينتظر مُغيَّباً في سجن الظالمين ولا يدري: أحيٌّ فيُرجَى أم طواه الممات؟

المعذَّبون بموجبات العذاب الواضحات كثيرون، لكني لم أُرِدْ أياً من هؤلاء، إنما أردت الذين يفكرون بهؤلاء وأمثال هؤلاء، فيألمون لكل متألم ويهتمّون لكل مهموم.

يَشقَى المكلوم زماناً ثم يُشفَى فيزول شقاؤه وألمه، ويعاني المهموم زماناً ثم ينكشف كربُه وينجلي همّه، أما صاحب العقل الحيّ والقلب الرحيم فإنه المسهَّرُ أبداً في الليل المكدَّرُ أبداً في النهار، لا يزال يفكر في كل مكلوم ويرثي لكل مهموم، فلا يصفو له ليل ولا يصفو له نهار.

*   *   *

اثنان في الدنيا لا يرتاحان، أولهما ذو العقل الذي “يشقى بعقله في النعيم”، الذي قال فيه الشاعر المصري المَنسيّ المَغبون عبد الرحمن شكري:

يا صاحبَ العقل يقضي العَيشَ في حَزَن   ***   يشقَى بك الناسُ أم تشقَى من الناس؟

والثاني صاحب القلب الرحيم الذي يتوجّع لكل متوجع وتبكي عينُه مع كل عين باكية، الذي قال فيه الشاعر اليمني المَنسي المَغبون عبد الله البردوني:

وأنا -يا قلبُ- أبكي إنْ بكَتْ   ***   مُقلةٌ كانت بقُربي أو ببُعْدي
حين يشقَى الناسُ أشقى معهُمُ   ***   وأنا أشقَى -كما يشقَوْنَ- وحدي!

*   *   *

يا أيها العقلاء ويا أصحابَ وصواحِبَ القلوب الرحيمة: لكم الله، لَكُنّ الله، عليكم وعليكُنّ رحمة الله.

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

مشكلة الغوطة والحل الممكن

مشكلة الغوطة والحل الممكن

مجاهد مأمون ديرانية

لو أحصيت ما أنفقته في متابعة أخبار الثورة السورية من ساعة انطلاقتها الأولى إلى اليوم لبلغَ عشرة آلاف ساعة أو تزيد، ولعلي أعرف من تفاصيلها ودقائقها ما لا يعرفه إلا بضع مئات من أهل الثورة فحسب، وبعد ذلك كله أشهد شهادة لله وللتاريخ: إنني لم أعرف في الثورة مشكلة أكثر تعقيداً وتداخلاً من مشكلة الغوطة، ومَن ظن أن إعلام الجيش أو إعلام الفيلق الرسميَّين يقدمان معلومات صادقة قاطعة فهو واهم، ولو زعم أحدٌ أنه يملك الحقيقة الكاملة في هذه المشكلة المعقدة المزمنة فلا تصدقوه.

*   *   *

لقد مارس الطرفان وأنصارُ الطرفين ضغوطاً هائلة على المجلس الإسلامي وعلى طائفة من الأفاضل لانتزاع مواقف مؤيدة لأحد الفريقين ومجرِّمة للفريق الآخر، وكان الشرط الضمنيّ الذي يشترطه هؤلاء دائماً: عليكم أن تروا بأعيننا وتسمعوا بآذاننا وتَقبلوا روايتنا وتُعرضوا عن رواية الطرف الآخر وتَضربوا بها عرض الحائط. وهذا طلبٌ لا يُعقَل أن يُطلَب من وسيط محايد، فإن من بديهيات القضاء أن يستمع القاضي والحكَم إلى الطرفين، ومن صنع ذلك سوف يصطدم لا محالة بتناقض الروايات، فإما أن يأخذها جميعاً أو يرفضها جميعاً، وفي الحالتين لن يخرج بنتيجة، وعندئذ لا مناص من ترك ذلك كله واستنطاق الأدلة والشواهد والشهود.

فإذا صنع المرء ذلك خرج بنتيجة لا تسرّ الطرفين، وهي أنهما كليهما ليسا مصدراً موثوقاً للمعلومات وأن تحرّي الصدق ليس عندهما من الأولويات والمسلَّمات كما يظن المتابع البعيد، ولن يُحسم أبداً ذلك الخلاف الطفولي بينهما: مَن بدأ فهاجم ومَن رَدّ فدافع وأي الطرفين يحمل النسبة الأكبر من المسؤولية؟ لذلك لا بد من طَيّ كلام الطرفين والقفز فوق التفاصيل والذهاب مباشرة إلى الحل الممكن، وإن لم يكن هو الحلَّ النموذجي الكامل، حل يقدم مبادئ وقواعد عامة لحماية الغوطة من التفكك والضياع.

*   *   *

الحل الممكن والفرض الواجب هو وقف التنازع وتثبيت خطوط التماس بين الطرفين، وتجريم كل من يتجاوز تلك الخطوط أو يبدأ بإطلاق النار على الطرف الآخر أو يحرّك قواته تجاهه مهما تكن الذرائع والمبررات.

لا بد من الاعتراف بالأمر الواقع مهما بدا كريهاً: إن الغوطة الواحدة التي نعرفها لم يَعُدْ لها وجودٌ إلا في الخيال. لقد تم تقسيم الغوطة الشرقية المترامية الأطراف إلى إمبراطوريتين عظيمتين: “الإمبراطورية الغوطانية الشرقية” و”الإمبراطورية الغوطانية الغربية”، ولا يوجد أي حل عَمَلي يحقن الدم وينجّي الغوطة من الضياع بأمر الله إلا بتكريس تقاسم النفوذ بين المملكتين المستقلتين وإبرام اتفاقية عدم اعتداء بينهما، أو لنقل (ويا للمهزلة!) إننا نتمنى أن توقع المملكتان على “اتفاقية خفض تصعيد” يُمنَع بموجبها منعاً باتاً اقتراب أي من قوات المملكتين من حدود المملكة الأخرى أو المبادأة بعدوان أو إطلاق نار.

*   *   *

لا بد أخيراً من ملاحظة مهمة: هذا الحل (الممكن وليس النموذجي) يقتضي إخراج جبهة النصرة من المعادلة، فإذا بقيت لها فلول في أراضي المملكة الغربية فإن مسؤولية ملاحقتها وتفكيكها واتقاء شرها وضرها تقع على عاتق حكومة تلك المملكة حصراً، ولا يجوز أن تخترق قوات المملكة الشرقية الحدود بذريعتها ولا أن تنشئ قتالاً مع الممكلة الغربية بسببها.

 

نعم، النصرة عدو للثورة لا شك في ذلك، بل من أعدى أعداء الثورة، والتحالف معها خيانة بلا ريب، ولكن متى استباحت الثورةُ قتالَ أي فصيل تحالَفَ مع النصرة في أي يوم؟ هذه حركة الزنكي لمّا دخلت في التحالف الأخير (قبل أن تنفَضّ عنه أخيراً بحمد الله) هل دعا إلى قتالها عاقل مخلص من أهل الثورة؟ وهذه بعض فصائل إدلب التي تتحالف ضمنياً مع جبهة النصرة: هل قاتلها أحدٌ أو دعا إلى قتالها أحد؟

*   *   *

إن الغوطة اليوم كالصخرة المشرفة على الوادي العميق، أي حركة عنيفة قد تُفقدها توازنها القلِق فتتدحرج وتسقط في الهاوية، لكن الظاهر أن طرفَي الصراع في الغوطة لا يدركان حجم الكارثة التي يسوق تنازعُهما الأحمق الغوطةَ كلها إليها، فإما أن تضغط القوى الثورية والإعلامية على الطرفين لوقف ذلك العبث المجنون والخلافات الصبيانية بينهما، أو سيتكرر في الغوطة مصير حلب الحزين ولو بعد حين لا قدّر الله.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

مخيّمات الموت

99f66d2c-026f

 

مخيّمات الموت

مجاهد مأمون ديرانية

هذا عنوان حملة أطلقها ناشطون إعلاميون في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، تضامناً مع أهلنا في المنطقة الشرقية، الذين هربوا من الموت إلى الموت، الذين أصابهم البلاء الأعظم في هذه الثورة فاجتمع عليهم من الأعداء ما تفرّق على غيرهم؛ داعش تقتلهم على الأرض وأمريكا تقصفهم من السماء، ومن خلفٍ وأمامٍ ويمينٍ ويسارٍ قوّاتُ قسد والأسد والمليشيات الطائفية، ومن حولهم حدودٌ لا يستطيعون تجاوزها إلى دول الجوار.

 

عشرات الآلاف من المدنيين الفارّين من جحيم القصف والقتال تدفقوا من الرقة ودير الزور على المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) جنوب الحسكة وفي ريف الرقة الغربي، فاعتقلتهم المليشيات الكردية الانفصالية في معسكرات صحراوية لا تصلح لحياة الحيوانات في هذا الصيف اللاهب والعواصف الرملية الهائجة، فمَن نجا من داعش وقصف التحالف قتلته الشمس، وما سَلِمَ من المتاع والغذاء القليل بَدَّدْته الريح العاصفة وأتلفه حَرُّ الصحراء اللاهب.

 

عشرات الآلاف من الضعفاء المعذَّبين يعيشون في أسوأ حالة، فلا ماءَ يصلح للشرب ولا طعامَ ولا دواء، إنْ هي إلاّ خيامٌ رَثّة لا تكاد تحتمل عصف الريح. هل يجوز أن نتركهم للموت والضياع؟

 

قد تقولون: وماذا نملك أن نصنع ونحن بعيدون؟

 

إنْ عجزنا عن المساعدة المباشرة فلا أقلّ من المشاركة بقلوبنا وأقلامنا وألسنتنا، فنتعاطف معهم وندعو لهم، ونكتب ما وسعتنا الكتابةُ على أمل أن تهزّ الكتابةُ الضمائرَ الميتة وتوقظ النيام، لعل الكلمةَ تجتمع مع الكلمةِ والهمسةَ مع الهمسةِ فتغدو صراخاً مدويّاً يسمعه العالم، عسى أن يبلغ صوتنا المنظمات الدولية والإنسانية، فتتحرك وتقدم ما ينجّي أولئك البائسين المساكين من البلاء وينقلهم من مخيمات الموت إلى مخيمات الحياة.

 

# مخيمات_الموت

#DeathCamps

 

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

كارثتان موجعتان

كارثتان موجعتان:
ثمرة مُرّة للغلوّ المسلَّح

مجاهد مأمون ديرانية

وقعت في أربع وعشرين ساعة حادثتان فظيعتان هَزّتا ضميرَ الثورة وفجَعتا المخلصين الأحرار في سوريا وفي كل مكان: تفجيرٌ نذل جبان قتل وأصاب عشراتٍ من مجاهدي جيش الإسلام في درعا، واغتيالٌ أجبنُ وأنذل راحت ضحيّتَه في إدلب كوكبةٌ من خِيار أهل سوريا وجنودها المجهولين، الشهداء الأحياء العاملين الصامتين، أصحاب القبعات البيض.

رحم الله شهداء الدفاع المدني ورحم الله شهداء جيش الإسلام.

*   *   *

إذا كانت الجريمةُ الثانية مجهولةَ الفاعل (وإن كان وقوعها في أرضٍ تسيطر عليها جبهة النصرة يُدينها قبل غيرها، لا سيّما بعدما سرّحت الشرطةَ المدنية واحتكرت السلاح، كما صنعت أختها الكبرى داعش من قبل) إذا كانت الجريمة الثانية كذلك فإن الأولى واضحةٌ مكشوفةٌ معروفٌ فاعلُها، لأنّ مجرمي النظام والمليشيات وداعش يشتركون في صفات كثيرة، إلاّ أن الدواعش يتميزون بخصلة ليست في الباقين، هي أنهم يتقحّمون نارَ الدنيا طائعين مستهترين لينتهوا في نار الآخرة بإذن الله، عليهم لعنة الله، فيما يدّخر الآخرون أنفسهم لساحات النزال وجبهات القتال.

*   *   *

إنها نتيجةٌ حَتميةٌ لاجتماع الغلوّ والسلاح، فما سيطر الغلوّ على عقلِ سفيهٍ جاهل ثم حملت يدُه السلاحَ إلا تحول إلى آلة قتل مجنونة ووحش هائج مطلَق السراح، سيعود بالدمار على نفسه وعلى مجتمعه آجلاً أو عاجلاً.

فخلّصوا الثورة من اجتماعهما قبل فوات الأوان؛ انزعوا الغلوّ من عقول المسلّحين أو انزعوا السلاح من أيدي الغلاة، قبل أن يدمّروا ما بقي من ثورتنا ويدمروا سوريا لا قدّر الله.

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

الجمعة الحزينة
(2)
لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

مجاهد مأمون ديرانية

الجزء الأول من هذه المقالة أجاب عن سؤال: ماذا جرى في سوريا قبل أسبوعين، ولماذا انهارت حركة أحرار الشام في المعركة؟ هذا الجزء الثاني والأخير يجيب عن السؤال الأهم: لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

انتصرت النصرة في حربها الأخيرة لأن القوة الدولية التي تسيطر على الملف السوري وتتحكم به أرادت لها أن تنتصر، انتصرت لكي تكمل مسلسل تدمير وإنهاء الثورة الذي بدأت به أختُها الكبرى داعش قبل ثلاث سنين. هذه هي الخلاصة، وما يأتي في هذه المقالة الطويلة ليس سوى شرح وتفصيل.

-1-

كان النصف الأول من عام 2013 عصرَ الثورة الذهبي، حينما بسطت الثورة سيطرتها على ثلثَي مساحة سوريا وعاش في نعمة الحرية نصفُ السوريين، وكان النصف الثاني من تلك السنة هو بداية المأساة التي نعيش اليوم فصولها الأخيرة.

لم يستطع العدو وحلفاؤه وأصدقاؤه الأبيِناء والاخفياء إنهاء الثورة، فقد صمد حصنُها المنيع صموداً أسطورياً واستعصى على السقوط، فما لبثوا أن جاؤوا بحصان طروادة فزيّنوه بالأعلام السود ووضعوه أمام باب الحصن، فلما بَصُر به “بعض” أهل الحصن حسبوه صديقاً ففتحوا الباب وأدخلوه، فثَمّ اخترق العدو الحصن، وثَمّ بدأت المأساة، وثَمّ بدأ الانهيار. ما بقي من الحكاية بعد ذلك مجرد تفاصيل يعرفها الجميع.

-2-

عندما قاتلت الفصائل الثورية داعش في بداية عام 2014 تراجعت داعش إلى الرقة التي لم يبقَ لها في سوريا كلها غيرُها. كان ينبغي يومها أن يتم القضاء على تلك العصابة إلى الأبد، وهذا ما كاد يحصل فعلاً لولا أن “قوّة ما” تدخلت لتوقف الهجوم على داعش، قوة ما زالت تعبث بثورتنا منذ يومها الأول وتكيد لها المكائد وتسعى إلى تفكيكها وإجهاضها بكل سبيل. أما عرفتموها؟ إنها عدو الأمة الألدّ منذ سبعين سنة، العدو الذي صنع نظامَ الأسد وربّاه على عينه ووفر له أسباب البقاء مذ كان، إنها الولايات المتحدة الأمريكية.

في الأشهر الثلاثة التالية نسي الناس داعش وعادوا للانشغال بثورتهم ومعركتهم مع النظام، ثم وقعت حادثة مفاجئة أعادت تذكيرهم بالخطر المَنسيّ. في العاشر من نيسان 2014 هاجمت داعش البوكمال، بعد ذلك بأسبوعين نشرتُ سلسلة من أربع مقالات بعنوان “داعش تضرب من جديد”، قلت في الأولى منها:

“لماذا هاجمت داعش البوكمال؟ الذين بحثوا عن جواب السؤال في البوكمال ذاتها أغلقوا ملف القضية بعد تحريرها من الغزاة مساء ذلك اليوم، ولكن الملف ما كان له أن يُغلَق لأن الجواب ليس فيها؛ إنه في كباجب والشولا وفي القورية والطيانة والموحسن وذيبان وفي مركدة والحصين والصّوَر والبصيرة، أو بتعبير أشمل: إنه في الجزيرة السورية كلها. إنها بداية العلوّ الثاني لداعش في سوريا، ولئن علت الثانيةَ لَتُفسدَنّ فساداً عظيماً كما صنعت أول مرة”.

ثم قلت: “عندما يُكتَب تاريخ الثورة السورية سوف يخصَّص فصل للحرب الأولى مع داعش التي بدأت في الأتارب في الثلاثين من كانون الأول 2013، وسيخصص فصل آخر للحرب الثانية التي بدأت في مركدة في الثلاثين من آذار 2014، والتي ما تزال تجري أحداثها بعيداً عن الضوء الإعلامي الساطع حتى الآن، غير أنها لن تلبث أن تصبح في عمق اهتمام الثورة عما قريب إذا لم توضَع نهايةٌ حاسمة لها قبل فوات الأوان”.

بعد نشر المقالات بأسبوعين كانت داعش ما تزال تتقدم جنوباً على الخابور باتجاه الميادين، وكنت يومها في تركيا فالتقيت بعدد من قادة فصائل الشمال. حذرتهم من التمدد الداعشي الجديد وشرحت لهم أخطاره وآثاره، قلت لهم: إنّ وَقْفَ الهجوم اليوم ممكن وإنّ عكسه يسير، فإذا تركتموه سيصبح وقفه وعكسه أقربَ إلى الاستحالة، وسوف تخرج هذه المناطق من أراضي الثورة إلى الأبد.

لقيتهم فرادى، لم ألقَهم جملة ولم يتواطؤوا على الجواب، إلا أنه كان واحداً من الجميع: لقد مُنع عنّا الدعم العسكري بعد قتال داعش الأخير، لا نملك ذخائر وأسلحة تكفي لوقف العدوان الجديد.

-3-

بقية القصة معروفة، وما كان خفياً من دعم أمريكا لداعش صار اليوم معروفاً مكشوفاً للجميع. بغَضّ النظر عن نشأة داعش الأولى وبعيداً عن نظريات لا يمكن إثباتها، ما يهمنا هو الحقيقة الثابتة التي تدعمها الأدلة والشواهد والشهود.

لقد ساهمت أمريكا في حماية ودعم وتقوية داعش لأنها كانت بحاجة إليها لتنفيذ السياسة الأمريكية في سوريا والعراق. ولعل كثيرين من قراء هذه المقالة سمعوا طويلاً تلك الجملة الغريبة: ليس لأمريكا سياسة في سوريا. وما أعجبَه من قول! بلى، لأمريكا سياسة في سوريا لا تخطئها العين، خلاصتها إجهاض الثورة والمحافظة على النظام الذي كان خادماً للمصالح الدولية (الشرقية والغربية والإسرائيلية) وكان جزءاً من المنظومة الدولية الصُّلبة لعدة عقود (أما الأسد نفسه وعائلته فأهون من أن ينشغل بهما أحد، لا أمريكا ولا روسيا ولا غيرهما، ما خلا إيران).

استطاعت داعش أن تقوم بجزء كبير من المهمة بنجاح، وكان يمكن أن تقوم بها كاملة (كما صنعت في العراق) لولا “انفجار الوعي” الذي تميزت به الثورة السورية عن كل الساحات التي غزتها القاعدة من قبل، فسرعان ما بدأت حملة هائلة على داعش شارك فيها آلافُ العلماء والدعاة والإعلاميين والمفكرين والكتّاب، وصدرت الفتاوى بقتال داعش من عشرات المؤسسات والروابط والمجالس الشرعية، فتوقف المدّ الداعشي وبقيت في يد الثورة بقية صالحة لاستئناف الثورة من جديد.

مضت ثلاث سنوات، سنوات عُسْرة وضغط عسكري وسياسي أوشك أن ينهي الثورة غيرَ مرة، إلا أنها صمدت وبقيت عصيّة على الأعداء. عندئذ تحرك حصان طروادة مرة أخرى، وبدأت الحكاية نفسها من جديد.

-4-

ماذا صنعت داعش في العراق؟ اجتاحت مناطق السنّة التي عجزت حكومة المالكي الطائفية عن إخماد ثورتها وفشلت في فَضّ اعتصاماتها التي استمرت لأكثر من عام، وكان أول ما صنعته داعش بعد اجتياح مناطق السنة واحتلالها هو تجريد أهل السنة من الأسلحة التي كانوا يملكونها وتدمير مؤسساتهم العسكرية والمدنية، ولم تلبث أن أدخلتهم في حرب مفتوحة مع إيران والمليشيات العراقية الطائفية ومع العالم كله أو أكثره، ثم تخلّت عنهم وانسحبت من مناطقهم لتتركها نهباً للحشد الطائفي. النتيجة هي هذه المأساة المروّعة التي يعيشها إخواننا من سُنّة العراق اليوم بعد انهيار “دولة الخرافة” واجتياح حشد المغول، إنها جريمة داعش الكبرى وأكبر كوارث الأمة في العصر الحاضر.

وماذا صنعت في سوريا؟ قاتلت الفصائل فدمرتها وفكّكتها وقَتّلت وهَجّرت مقاتليها، ثم احتكرت السلاح وحكمت المناطق المحتلة بالحديد والنار في محاكاة سيئة لنظام الأسد، وكما صنعت في العراق صنعت في سوريا: دمرت مؤسسات الثورة العسكرية والمدنية ودخلت في حرب مع العالم كله أو أكثره، وها هي اليوم تتخلى عن المناطق التي احتلتها وتتركها نهباً للنظام والأكراد الانفصاليين.

باختصار: سطت داعش على نصف الأرض التي حررناها بالدماء الزكية والتضحيات الجِسام، قاتلت الفصائل واحتلت المُحرَّر، ثم أعادتها لأعداء الثورة. كل الأرض السوداء التي سرقتها منا داعش فقدناها إلى الأبد، إلا أن يشاء الله، فالهدف الذي من أجله سُمح لداعش بالانتصار في حربها مع الثورة هو نزع الأرض من الثورة وإعادتها للنظام (بعد اقتطاع جزء كبير منها للأكراد الانفصاليين).

هذا الهدف هو نفسه الذي سُمِحَ من أجله لجبهة النصرة بالانتصار في الحرب الأخيرة. إنها بداية العلوّ الكبير الأخير للجولاني وجبهته الملعونة، وهو بداية تحقيق المؤامرة ذاتها، نزع الأرض من الثورة وإعادتها للنظام.

-5-

كان يوم الجمعة الحادي والعشرين من تموز يوماً كارثياً على الشمال وعلى الثورة السورية، ففيه بدأ الفصل الأخير من فصول المؤامرة الكبرى على الثورة السورية. في ذلك اليوم كانت الأحداث صاخبة والشمال يغلي كالمِرجَل، وقد تحركت بعض وحدات “درع الفرات” باتجاه باب الهوى قُبيل الفجر فوصلت طلائعها إلى المعبر ضُحىً، فيما تحركت الأرتال في أرياف إدلب، وتحركت دول كبيرة وراء الستار.

في ساعة متأخرة من الليل في نهاية ذلك اليوم الطويل كتب أحد قادة درع الفرات في مجموعة ثورية: “ثبت أن إسقاط الجولاني أصعب من إسقاط الأسد“. كانت تلك هي خلاصة الخلاصة؛ لقد بُذل جهد خارق لإفشال كل محاولات الإنقاذ، وسُلِّم الشمال المحرر للنصرة في استنساخ فَجّ مكشوف لمؤامرة داعش الأولى.

كان ذلك تتويجاً لجهود خبيثة بُذلت على مدى عامين تقريباً. خلال تلك الفترة الطويلة دأبت جبهة النصرة على مصادرة نصف السلاح الذي استلمته فصائل الشمال من غرفة التسليح (الموم) التي تشرف عليها وتتحكم فيها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وأكثر من ذلك، شكّل الجولاني فصيلاً وهمياً باسم الجيش الحر وكان مندوبه يشارك في اجتماعات غرفة التسليح ويستلم حصته من الأسلحة، وعندما حاول أحد مندوبي الفصائل تنبيه الأمريكيين لتلك المهزلة أُسكِت بفظاظة ومُنع من فتح الموضوع مرة أخرى! هذا عدا عن عشرات الملايين التي وصلت للنصرة مقابل الإفراج عن رهائن مختطَفين، بعلم ومباركة الإدارة الأمريكية والمخابرات الأمريكية.

على مدى سنتين جرى تذخير النصرة وإمدادها بالمال والسلاح وغَضّ الطرف عن اعتدائها المتكرر على فصائل الجيش الحر “المعتدلة” التي زعمت أمريكا أنها تدعمها، بل وأكثر من ذلك وكما حصل قديماً مع داعش: كل فصيل قاتل النصرة قُطع عنه الدعم، واستمر لكل الفصائل التي تشاطر النصرة ما يصلها من سلاح. وأخيراً كان لا بد من تدخل مباشر لإنفاذ الخطة إلى آخرها: في اللحظة الحرجة تدخلت أمريكا بقوة لمنع درع الفرات من التقدم والإنقاذ.

*   *   *

لا يُلدَغ المؤمن من الجحر الواحد مرتين، ونحن ما نزال نُلدغ من الجحر نفسه مرة بعد مرة وما نزال نَمُدّ إليه أيدينا غافلين. لم تعلمنا كارثة داعش ولن تعلمنا كارثة النصرة، لأننا نأبى أن نتعلم، لأننا نُصِرّ على المحافظة على الغباء والسذاجة وحسن الظن “بإخواننا المجاهدين”.

يقولون إن القانون لا يحمي المغفلين، وأجدر بهم أن يقولوا إن التاريخ لا يرحم المغفلين.

 

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق