اندماج أم ابتلاع؟

اندماج أم ابتلاع؟

مجاهد مأمون ديرانية

سَمَّوه اندماجاً ليخدعوا به الناس، لأن الناس باتوا عِطاشاً مشتاقين لأي وَحدة كعطش الأرض المجدبة في الصحراء الجرداء وشوقها لقَطْر السماء. ولكن هل هو حقاً اندماج؟

لن أتخيل خَيالات لا صلة لها بعالم الحقيقة، إنما أنسخ حرفياً طلبات الجولاني المتواضعة التي طلب تحقيقها لكي يتنازل ويقبل بالمشروع. استعدوا لسماعها ولا تستغربوا، فالرجل لم يعد يرى في سوريا زعيماً غيره، بل إن سوريا قليلةٌ عليه في عين نفسه وفي عيون مُريديه. ألا تذكّركم هذه الجملة بجملة سمعتموها ذات يوم؟ ما أسرعَ ما دارت الأيام!

*   *   *

طلب الجولاني تعيينه قائداً عسكرياً عاماً للكيان الجديد بصلاحيات مطلقة، وطلب سحب أسلحة الفصائل كلها ووضعها تحت تصرفه، واشترط أن يكون هو الوحيد المخوَّل بتعيين وعزل القادة العسكريين، واشترط موافقته المسبقة على أعضاء الهيئة السياسية ورئيسها، وإلزام الكيان الجديد بقطع علاقته بتركيا ومقاطعة عملية درع الفرات.

بالله عليكم، أستحلفكم بالله يا عقلاء، يا مسلمون: هل هذا اندماج؟

كن صادقاً يا سيد جولاني وقل إنك تريد ابتلاع الفصائل كلها وصبغ الثورة السورية بالسواد، قل إنك تسعى إلى السلطان المطلق الذي سيطرَت شهوتُه عليك فملكت عليك نفسَك، وإنك لا تبالي -في سبيل الوصول إليه- بوأد الثورة وحرق سوريا والسوريين. وكونوا رجالاً يا من توافقون من قادة الفصائل على هذا المشروع، وأخص قادة أحرار الشام، كونوا رجالاً وقولوا إنكم بعتم الثورة وبعتم سوريا مجاملةً لرفاق المنهج واسترضاء للغلاة، أو مقابل وعد بمنصب أو بعرَض من الدنيا سيزول عمّا قريب.

*   *   *

يا من طبختم هذا المشروع الآثم، مشروع بيع الثورة للقاعدة، ويا من طبّلتم وزمّرتم لهذه الخيانة، أخاطبكم جميعاً ولا أعبأ بمريديكم وشبّيحتكم وجيوشكم الإلكترونية: لعلكم ظننتم أن هذا الشعب غبي فاستغبيتموه، أو غافل فاستغفلتموه، أو ضعيف فاستضعفتموه، ولعلكم كبرتم في عيون أنفسكم فغرّتكم قوتكم ونسيتم أنكم مسؤولون ومحاسَبون، فاعلموا أنكم واردون على الله وأنه سيسألكم في أي شيء بعتم هذا الشعب وضيّعتم تضحياته ودماء شهدائه؟

اعلموا أن نجاحكم في استغباء ألف أو مئة ألف لا يعني أنكم ستنجحون في استغباء عشرة ملايين. اعلموا أن سوريا أكبر منكم وأن الشعب السوري أكثر من شبيحتكم الذين صفقوا لكم وطبّلوا لمؤامرتكم على ثورته. اعلموا أن هذه المؤامرة لن تمرّ وأن السوريين لن يبيعوا ثورتهم للسواد.

Posted in رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

كارثة حلب: الجُناة

كارثة حلب: الجُناة

مجاهد مأمون ديرانية

الجناة المسؤولون عن كارثة حلب كثيرون، من أهل الثورة ومن أعدائها على السواء، وعلى رأسهم قادة الفصائل الذين تشرذموا وتفرقوا وتشبّثوا بالمناصب والمكاسب، فضيّعوا أنفسهم وضيّعوا المدينة ويوشكون أن يضيّعوا الثورة. غيرَ أن لهذا الإجمال تفصيلاً وللتعميم تخصيصاً لا بد من توضيحه من باب الأمانة والشهادة، فإننا لن نستفيد من التجارب والأخطاء لو تركنا في كتاب التاريخ صفحات بيضاء، ومَن لم تعلّمه تجاربه وأخطاؤه سيسقط حتماً في الحفرة نفسها مرات بعد مرات.

لا ريب أن لسقوط حلب أسباباً كثيرة معقدة متداخلة، ولكنْ لم يكن شيءٌ منها أكبرَ أثراً من إضعاف الجبهات وحرمانها من المرابطين الصادقين.

كان أول خرق خطير في السفينة هو الهجوم الذي قامت به حركة الزنكي بمعاونة كتيبة أبي عمارة وجبهة النصرة على تجمع فاستقم الذي كان يرابط على نحو ثلث جبهات المدينة، ثم الهجوم الآخر الذي قام به تحالف الغلاة -النصرة وأبي عمارة وكتيبة أشدّاء- على فصيلَي جيش الإسلام وفيلق الشام. ذلك البغي الآثم أسقط قطعة مهمة من حزام حلب الدفاعي، لأن البغاة استولوا على معظم أسلحة وذخائر الفصائل الثلاثة واعتقلوا بعض مقاتليها وقادتها، بل إن قائد أبي عمارة الساديّ المجرم (الملقب بأبي بكري) اختطف بعض مقاتلي التجمع، فساقهم من الرباط إلى سلخانة الكتيبة وعذبهم حتى الموت، لا سامحه الله.

*   *   *

هؤلاء هم أكبر الجناة على حلب الذين يتحملون قسطاً كبيراً من مسؤولية سقوطها، فقد حرموا المدينة من قوة كبيرة كان يمكن أن تغير مسار الأحداث لو بقيت بكامل فعاليتها وعنفوانها.

إن لقطة قصيرة من فلم البغي والعبث الطويل الكئيب كافية لتفسير الفاجعة: إحدى مجموعات فيلق الشام (الذي تعرض لغزو مناهجة النصرة وأبي عمارة وأشدّاء قبل اجتياح حلب بأيام قلائل) هي كتيبة راية الإسلام التي كانت ترابط في حي الكلاسة. عندما بدأ الاجتياح تبخّرت الجماعات الباغية فلم نرَ لها أثراً على الأرض، وصمدت تلك الكتيبة الصغيرة حتى الموت، حيث أبى مقاتلوها الانسحاب حتى ينتهي جلاء آخر مدني في الحي، وكانت النتيجة أن أبيدت المجموعة عن بكرة أبيها فلم يَنجُ منها أحد، رحمهم الله.

لقد عرفتم أهمّ الجُناة الذين ساعدوا على سقوط حلب، فلا تسامحوهم وادعوا عليهم بما تشاؤون، ولا تسمحوا لهم بأن يستمروا في تخريب الثورة بعد اليوم، أما أعمالهم فسوف يحفظها التاريخ وينقلها هذا الجيل للأجيال الآتيات.

 

Posted in عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , | تعليق واحد

ماذا يحدث في حركة أحرار الشام؟

ماذا يحدث في حركة أحرار الشام؟

مجاهد مأمون ديرانية

كتبت خمسة أسطر ثم حذفتها وكتبت ستة غيرها، ثم حذفتها وكتبت بضعة أسطر جديدة، ثم قررت أن أترك القصة الطويلة وأكتفي بتعليق موجز: ما رأيناه أمس في حركة أحرار الشام هو انقلاب على قيادة الحركة، وهو التجلّي الحقيقي لضعف الإنسان أمام واحدة من أكبر شهوات الدنيا، شهوة السلطان.

إنه المرض نفسه الذي رأيناه في حلب عندما سطت حركة الزنكي على تجمع فاستقم، وعندما تحالفت جبهة النصرة وكتائب أبي عمارة وجماعة أشداء للهجوم على فيلق الشام وجيش الإسلام. هذا كله حصل في حلب المحاصَرة التي تعيش أصعب أيامها على الإطلاق. لم يشفع للفصائل المستهدَفة أنها تقف على ثغور وجبهات لا يغطيها غيرُها، ولم يردع الفصائل المهاجِمة علمُها اليقيني أنها إنْ خرقت المركب لتُغرق خصومها فإنها حتماً ستغرق مع الغارقين.

أمس كرر بعض المغامرين الطائشين المأساة نفسها، فلم يترددوا في توجيه طعنة نجلاء لأعظم فصائل الثورة السورية أملاً في التصدر والسلطان، وقاموا بمحاولة انقلابية سافرة بعدما فشلت محاولتهم الانقلابية السابقة التي نفذوها قبل شهور، وبعدما فشلوا في تعطيل الانتخابات الأخيرة واستثمارها لصالحهم، ولعلهم استعاروا شعار “الأسد أو نحرق البلد” فقالوا: “نحن أو نحرق حركة أحرار الشام”. قالوها بلسان الحال وإن لم يقولوها بلسان المقال.

*   *   *

ويسألني كثيرون: ما تعليقك على ما جرى في حركة أحرار الشام؟ ليس عندي ما أقوله سوى تذكير القوم بما عرفوه ثم نسوه: إن الصفقات في الدنيا أربع: رجل اشترى دينه بدنياه، فهذا أربح الناس. ورجل اشترى دنياه بدنياه، فهذا ربح وخسر ولا شيء عليه. ورجل اشترى دنياه بدينه، بئست الصفقة وأعظِمْ به من خُسران. ورجل اشترى بدينه دنيا غيره، فهو أخسر الناس.

يظن كثير من الساخطين الذين قرأت تعليقاتهم الغاضبة على المحاولة الانقلابية الجديدة أن القوم ينتمون إلى الفريق الثالث، وأظن أنا أنهم من الفريق الرابع. الأيام حُبالى، ولسوف ينكشف في غدٍ المستورُ وتظهر الحقائق المحجوبة  للناس. سوف يندم القومُ في يومٍ لا ينفع فيه الندم، لكنّ الندامة الكبرى لن تكون قريبة في هذه الدار، إنها المصير المؤجَّل ليوم الوقفة الكبرى في دار الجزاء.

Posted in عِبَر وفِكَر | Tagged , , | تعليق واحد

لماذا يُبتلى المؤمنون؟

لماذا يُبتلى المؤمن؟
لماذا تُبتلى جماعة المؤمنين؟

مجاهد مأمون ديرانية

مَسّت البأساء والضراء الناسَ في سوريا والعراق وغيرهما من بلاد الإسلام، فرضي قوم وفوّضوا أمرهم إلى الله مولاهم راضين مستسلمين، وسأل غيرُهم ساخطين أو تساءلوا مستغربين: لماذا يا رب؟ لماذا ابتليتنا وأنجيت من البلاء الظالمين؟

*   *   *

إن الله تبارك وتعالى لا يعامل المؤمنين كما يعامل الكافرين، لا أفرادَهم ولا جماعاتهم، فهو يحب المؤمن ويرجو له حُسن العاقبة ويريد له الخير في الدار الآخرة، فما يزال يذكّره به ويُلجئه -بالابتلاء- إليه حتى يَذْكرَه ويدعوَه فيكفّر خطيئته ويغفر له ويرفع درجته. أما الكافر فلا يباليه ولا يعبأ به ولو بغى وكفر، بل يتركه ويمدّ له، وانظروا إلى قوله تعالى: {مَن كان يريدُ العاجلةَ عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}، وقوله: {أفمَن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيهِ كمَنْ مَتّعناه متاع الحياة الدنيا، ثم هو يوم القيامة من المُحْضَرين؟}

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إن المؤمن إذا أصابه السَّقَم ثم أعفاه الله منه كان كفارةً لما مضى من ذنوبه وموعظةً له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفِي كان كالبعير عَقَلَه أهلُه ثم أرسلوه، فلم يدرِ لِمَ عقلوه ولم يَدْرِ لِمَ أرسلوه”. ولما نزلت {مَن يعمل سوءاً يُجْزَ به} قال أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله، وأيُّنا لم يعمل سوءاً؟ أوَ إنّا لمَجزيّون بما عملنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون (وهنا الشاهد في الحديث) فتُجزَون بذلك في الدنيا حتى تلقَوا الله وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيُجمَع لهم ذلك حتى يُجزَوا به يومَ القيامة”.

*   *   *

هذا القانون لا يقتصر على الفرد؛ إنه قانون عام يعمل مع الجماعة كما يعمل مع الأفراد، فالله تبارك وتعالى يصيب الجماعة العاصية بالمصائب لتتذكره وتعود إليه: {وما أرسلنا في قرية من نبيّ إلا أخذنا أهلَها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون. ثم بدلنا مكان السيئة الحسنةَ حتى عَفَوا وقالوا قد مسَّ آباءنا الضرّاءُ والسرّاءُ، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}.

هل لاحظتم التعليل الذي ساقه القرآن لتفسير البأساء والضراء؟ “لعلهم يضّرّعون”، أي عسى أن يتذكروا الله فيَدْعوه ويتضرّعوا إليه. فلما عافاهم الله من البلاء (بدّلنا مكان السيئة الحسنةَ) ازدادوا بعداً عن الله وأنكروا الفعل الإلهي أصلاً، فقالوا: لقد مسّ آباءنا الضررُ من قبل؛ أصابتهم مصائبُ وكَرَثتهم كوارثُ، ثم نجوا وبقوا وتناسلوا، فإذن: إن الكوارث ظواهر طبيعية نعاني منها نحن كما عانى منها مَن قبلنا، وننجو منها كما نجا مَن قبلنا، ولا علاقة لها بكفر وإيمان ولا بتصديق وتكذيب!

هذا المعنى نجده واضحاً في الآية الأخرى أيضاً: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسُنا تضرعوا، ولكنْ قسَتْ قلوبُهم}، أي أن قسوة قلوبهم منعتهم من التضرع حتى وهم في جوف الكارثة، فماذا صنع الله بهم؟ بقيّة الآية هي الجزء المرعب: {فلما نَسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}، أي أن الله مَدَّ لهم وأعطاهم من الدنيا بلا حساب، وهذا المَدّ والعطاء أفرحهم بلا ريب، ولكنْ ليس طويلاً، فقد كان قَدَرُ الله بالمرصاد: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة}! وبئس المصير.

*   *   *

إن المؤمن إذا أصابته المصيبة لجأ إلى الله ودعاه سائلاً العافية، فإذا عوفي شكر وإذا طال البلاء صبر. والصبر مقرون بالدعاء، والدعاء عبادة، فصار البلاء سبباً في تكفير الذنوب ورفع الدرجات وإنابة العبد إلى مولاه، وهو للمؤمن خيرٌ في كل حال.

اللهمّ إنّا مُستضعَفون، وأنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى مَن تَكِلُنا؟ لا تكِلْنا -ربَّنا- إلى أنفسنا الضعيفة المقصّرة فنهلك، ولا إلى عدو قوي يسطو علينا ويملك أمرنا. إن لم يكن بك غضبٌ علينا فلا نبالي، غيرَ أن عافيتك هي أوسع لنا. اللهمّ اعفُ عنا بفضلك وكرمك ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، وأبدلنا بالضيق فرجاً وبالبلاء عافية، يا أكرمَ الأكرمين، يا أيها الرحمن الرحيم.

 

Posted in في الدعوة والإصلاح | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

من قال هلك الناس فهو أهلكهم

من قال هلك الناس فهو أهلكهم

مجاهد مأمون ديرانية

في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلكهم”. رُوي الحديث بفتح الكاف (أهلكَهم) في لفظ وبضمّها (أهلكُهم) في لفظ آخر، قال النووي: وهو الأشهر. الكلمة بالفتح فعلٌ ماض، بمعنى أنّ مَن روّج هلاك الناس فهو مسؤول عن إهلاكهم، وهي بالضم اسم، بمعنى أنّ مَن روّج هلاك الناس فهو أكثرُهم وأوّلهم هلاكاً.

*   *   *

يقول الشُّرّاح إن المقصود هو الهلاك الأخروي، وأحسب أن الحديث يجمع المعنَيَين: الهلاك الدنيوي والهلاك الأخروي. وكلاهما متحقق في الواقع، فإنّ مَن يضيّق باب النجاة ويكثّر أسباب الهلاك يؤيِسُ الناس من رحمة الله فيدفعهم إلى ترك الطاعات والوقوع في المحرمات، لأنهم يقولون: إن كنا ذاهبين إلى النار في كل حال فلماذا نُتعب أنفسنا بغيرما طائل؟ كما صنع ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم ألحق بها تمام المئة لمّا يئس من الرحمة والمغفرة.

هذا هو الخطاب الشائع للغلاة في كل عصر، وقد رأيناه في سوريا في هذا العصر، فإنهم لا يسرّهم شيء كما يسرّهم أن يحولوا المسلمين إلى كفرة مرتدين لأقل سبب، أو بلا سبب، وهم مُغرَمون بتفريغ الجنة من أهلها وسَوْق الناس إلى النار. وكثيراً ما تتسبب أفعالهم الكريهة في الصدّ عن سبيل الله وفي تبغيض الدين إلى قلوب العباد وتنفيرهم منه، فيبتعد عنه كثيرون ويخرج منه آخرون بالكلّية، فيتحقق أحد المعاني الواردة في الحديث، ويتحمل مَن صنع ذلك الجزء الأكبر من الوزر، فهو أهلَكُ الهالكين وأشدهم حساباً يوم الحساب.

المعنى السابق متضمَّن في الحديث، وكذلك المعنى الآخر: الهلاك الدنيوي. فإنّ مَن يُشيع أخبار الهزيمة والانكسار يَكْسِر نفوس الناس ويَحْطِم معنوياتهم ويُؤيِسُهم من النجاة، فيدفعهم إلى اليأس والقنوط. واليائس أبداً مهزوم، لأنه يصور لنفسه الهزيمةَ قبل وقوعها فيسوق نفسَه إليها وهو لا يكاد يشعر، ويتخلى عن المقاومة ويعجز عن الصبر، ولا يكون نصرٌ بلا صبر، ولا يكون نجاحٌ بغير إرادة للنجاح.

*   *   *

يا أيها الناس: الثورة تعيش أياماً قاسية بلا ريب، وقد اشتد على الناس الكرب والبلاء بلا ريب، وثمّة ألف سبب يدعو إلى هزيمة الثورة بلا ريب، ولكنْ تذكّروا: منذ اليوم الأول للثورة وعلى مدى ست سنوات كانت أسبابُ الهزيمة والفناء كثيرةً وأسبابُ الانتصار والبقاء قليلةً، ومنذ اليوم الأول وعلى مدى ست سنوات غَلبت الأسبابُ القليلةُ الأسبابَ الكثيرةَ بإذن الله، والله الذي سألناه بالأمس الثبات والصبر فصبّرَنا وثبّتَنا هو الله الذي نسأله اليوم الصبر والثبات. رحم الله من تواصى بالحق وتواصى بالصبر ولم يُشِع في الناس روح الهزيمة والانكسار.

لقد قصرنا كثيراً وأخطأنا كثيراً فاحتجنا إلى تأديب وتذكير، ولكن الله أرحم بنا من أن يهلكنا ونحن عن خطئنا متراجعون وإليه راجعون وببابه واقفون مُنيبين متضرّعين، إنما نستحق الهزيمة والهلاك لو أصررنا على المعصية، لو أصررنا على الفُرقة والظلم والبغي وتبرير البغي والظلم والعدوان: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}.

 

 

Posted in خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

ماذا نصنع لحلب؟

ماذا نصنع لحلب؟

@mujahed_dira

 

-1-

كل عمل إيجابي، مادياً كان أم معنوياً.
من استطاع أن يدعم بالمال فليفعل، ومن استطاع أن يدعم بالدعاء فليفعل، ومن استطاع أن يدعم بالكلمة الطيبة فليفعل.

-2-

المعركة لم تنتهِ بعد، ومهما بلغ حرصنا على حلب لن نكون أحرصَ من أهلها عليها، فشدّوا أزر إخوانكم في هذا الوقت العصيب وادعوا لهم بظهر الغيب.

-3-

أهل حلب ومجاهدوها في كرب وضيق وهم أحوج إلى الكلمة الطيبة من اللوم والتقريع،
فلا تزيدوا معاناتهم بنثر الملح على الجرح وكونوا لهم سنداً وظهراً.

-4-

ليس هذا وقت التلاوم والتبكيت.
لا يكون شهماً ولا يكون نبيلاً من يخاطب المنكوب المكروب فيقول: ألم أقل لك؟ أو يقول: لماذا فعلت ولماذا لم تفعل؟

-5-

لو أنفقت نصف عمرك محذّراً من اندلاع النار ثم اندلعت النار فدع الكلام واحمل دلو ماء، وبعدما تنطفئ النار عُد إلى النصح الصادق بلا لوم ولا تبكيت.

-6-

حلب لا تقاتل النظام، إنها تقاتل دولتين من أقوى وأوحش دول العالم، وتتعرض لهجوم شرس من الأرض ومن الجو. صمودُها هو الأعجوبة وليس دخول عدوها إليها.

-7-

الجهاد في حلب اليوم فريضة عين على كل قادر.
إذا توفر السلاح فسلّحوا الرجال والنساء والصبيان، ومن لم يجد السلاح فليدعم المعركة بأي سبيل ممكن.

#حلب_لن_تموت

 

Posted in خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

سبعون شهراً بحثاً عن مخرج

الثورة السورية:

سبعون شهراً بحثاً عن مخرج

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

تذكرت وأنا أخط عنوان المقالة رواية الشهيد صلاح حسن “ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج” (وقد مات قبل أن يُتمّها) فدعوت الله أن لا يمتدّ عمر الثورة من عشراتِ شهورٍ إلى عشرات سنين. وأياً يكن الأمر، سواء أكان مقدَّراً لها أن تعيش ست سنين أو عشراً أو عشرين، فإنها ما تزال بعيدة -بإذن الله- عن المصير الذي تصوّره بعض الناس فبدؤوا بالبكاء عليها واستعدوا لتكفينها ودفنها في مقبرة التاريخ.

نقول لهؤلاء المتشائمين: وفِّروا بكائياتكم ومراثيكم يا قوم، فما زلنا بعيدين عن الحاجة إليها بفضل الله، لكننا سنحتاج إليها حتماً لو فقدنا إيماننا بنصر الله، أو قعدنا عن العمل وتواكَلْنا بدلاً من الاتكال الحق والأخذ الكامل بالأسباب.

سوف نفشل ونُهزَم لو اعتمدنا على قوتنا المجردة ومواردنا المحدودة وإمكانياتنا المادية فقط، لأننا لا طاقةَ لنا بعدوّنا ولا مقارَنةَ بين ما يملكه وما نملكه من قوة وموارد. سنفشل ونُهزَم لو عصينا الله فظلمَ بعضُنا بعضاً وبغى بعضنا على بعض، فنحن محتاجون إلى الله يقيناً في معركةٍ غيرِ متكافئة فُرضت علينا، ولن يساعد الله عُصاة بُغاة ظالمين. سنفشل ونُهزَم لو تواكلنا وتركنا العمل والأخذ بالأسباب، لأن ربنا -تبارك وتعالى- لا ينصر الكسالى الخاملين القاعدين. سوف ننتصر -بإذن الله وبعون الله- عندما نتّكل على الله حق الاتكال ونستعين به صادقين مخلصين، وحينما نبذل غاية الجهد البشري ونأخذ بكل ما نستطيع الأخذ به من أسباب الانتصار.

لا ريب أن الثورة بحاجة ملحّة للخروج من حالة الاستعصاء والتراجع التي تعاني منها منذ بعض الوقت، لكننا لن نجد المخرج بالرثاء والبكاء، ولن نجده بالتراشق والتخوين. إن كل ما نريده هو تشخيص صادق -ولو بدا قاسياً- لأمراض الثورة، على أن يتبعه عمل مخلص شجاع لا يجامل في الثورة ولا يخاف في الله أحداً من الناس.

-2-

إن الثورة تعاني حالياً من خمس مشكلات كبرى تؤدّي إلى الفشل والهزيمة، وحلها كلها يسير لو صدقت النوايا وصلحت النفوس: التشرذم الفصائلي وغياب القيادة العسكرية الواحدة، والتنازع وغياب الثقة بين كيانات الثورة العسكرية والسياسية، وعبث الفصائل بالقضاء وتدخلها في الإدارة المدنية، واستعمال السلاح في حل خلافاتها البَينيّة، والبغي والظلم الذي يمارسه بعضها بحق بعضها الآخر وبحق المدنيين.

يتوهم أغلب الناس أن المشكلات الخمس السابقة مرتَّبةٌ في أهميتها وخطورتها ترتيباً تنازلياً، وليست كذلك، بل هي مرتبة تصاعدياً، فإن المشكلة التي ركّز عليها الكل حتى نَسُوا ما عداها هي أهون المشكلات وأيسرها حلاً، والأخيرة هي الأخطر على الإطلاق، وهي التي لا يكاد يذكرها إلا أقلّ القليل، وإذا تنبّهَ إليها بعض المصلحين ونبّهوا إليها وحذّروا منها قام الغوغاء في وجوههم يصرخون بتلك المعزوفة المكرورة: الداخل والخارج والمجاهدون والقاعدون. ألا فليعلموا أنه ليس في الظلم والبغي مجاهد وقاعد وداخل وخارج، بل فيهما حق وباطل ومصيبون ومخطئون، وفيهما دعاة ومصلحون ينكرون ويصوّبون، وشياطين خُرْس لا يعترضون على ظلم وبغي، وشياطين ناطقون ينكرون على الدعاة والمصلحين.

إن ترتيب الأخطار بمنظور المسلم يختلف عنه عند غيره، فالمسلم يعلم يقيناً أن النصر من الله أولاً وآخِراً وأن القوة بأنواعها أسبابٌ للنصر لا غير، وهو مكلَّف باتخاذ الأسباب حتماً، فإذا قصّر فيها نزلت به الهزيمة لأن سُنَن الله في الوجود لا تحابي أحداً، وكما قال أحدهم ذات يوم: إذا سقط في البحر كافر يحسن السباحة ومسلم لا يحسنها فسوف ينجو الكافر ويغرق المسلم. وكذلك في الحروب: لا ينتصر مَن لا يحسن الأخذ بأسباب الانتصار مهما تكن درجة إيمانه وقربه من الله. ولكنْ أيضاً: لن ينتصر المسلمون الذين يحرصون على أسباب النصر المادية ثم يُغضبون الله، وإن الله لَيغضب في عليائه عندما يُرتكَب الظلم باسمه ويُعتقَل ويعذَّب ويُقتل باسمه الأبرياء.

-3-

صحيحٌ أن وَحدة الفصائل شرط مهم لتحقيق النصر على العدو، ولكن العدل أهم من القوة، فإن قوة الفصائل مجتمعةً لاتعدل قوة عدوها، فإذا لم ينصرها الله فهي بعيدة عن الانتصار، والله تبارك وتعالى أجَلّ وأنزه من أن ينصر الظالمين. لذلك كان واجب الوقت هو تخليص الثورة من الظلم الذي فشا فيها والخَبَث الذي كاد يدمّرها، فإن تكن الفُرقة سبباً في ضعف الثورة فإن الظلم سبب في هلاكها جملة واحدة. لمّا سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش النبيَّ عليه الصلاة والسلام: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: “نعم، إذا كَثُرَ الخبث”. ولَعمري ما خَبَثٌ أخبث من الظلم وما داء أفتك منه بالأمم والجماعات.

لقد ورثَت بعضُ الفصائل الثورية من النظام الأسدي أنظمتَه الأمنية بصورة مشوَّهة، فأنشأت سجوناً ومعتقلات سرّية وسمحت لنفسها باعتقال الناس خارج القضاء ومارست التحقيق والتعذيب بحق الموقوفين، بطرائق بشعة وصلت إلى الموت في بعض الأحيان. لولا الخوف من التألّي على الله لأقسمت بالله أنه لن ينصر ثورة تمارس فصائلُها هذا القدر من الظلم والعدوان على الناس.

ثم بلغت الجرأة والوقاحة ببعض الفصائل أن اعتدت على الشرع باسم الشرع ومارست الظلم باسم الله، فرفعت رايات إسلامية وزعمت أنها تسعى إلى تحكيم الشريعة، ثم أثبتت -عند الامتحان- أنها ليست أحرصَ على الشرع من نظام الأسد، وأن الشريعة عندها شريعتان، شريعة للضعفاء: إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وشريعة للأقوياء: إذا سرق القوي أطلقوه ووفّروا له الحماية والغطاء ليستمر في الأذى والعدوان.

قلتها مرة وأكررها مرة أخرى: الظالمون لا يستحقون نصر الله ومعيّة الله. سوف يَكِلُهم الله لأنفسهم، ولن ينتصر ظالمون ضعفاء على ظالمين أقوياء.

-4-

إن الثورة تعاني من مشكلة كبيرة، بل من مشكلات كثيرة، ولكنْ ليس أسوأَها تفرقُ الفصائل الذي نعيبه ونسعى للخلاص منه؛ إن أسوأها وأفتكها بالثورة هو الظلم الذي يُحبط الأعمال ويُهلك العمال يأكل الجماعات، وهؤلاء الذين يَدْعون إلى الوحدة بالقوة والتغلّب، أي بالبغي، أي بالظلم، يرتكبون مفسدة عظمى هرباً من مفسدة أقل شأناً، ويسلكون الطريق الصعب المخضَّب بالدم ويتركون الطريق الأسهل الذي يحقق ثلاثة أرباع الفائدة بلا قطرة دم واحدة.

في غمرة اليأس انحصر هَمُّ الناس، كثيرين منهم، في أمل واحد هو وحدة الفصائل. بدأ الأمر بدعوات ملحّة كنت أنا نفسي (وما زلت) طرفاً فيها، دعوات اعتقدَ أصحابُها أنّ وحدة الصف سببٌ أساسي في النصر. ثم تضخم الأمل مع الوقت حتى بات كثيرون يعتقدون أنّ الوحدةَ سببُ النصر “الوحيد”، فإذا لم تتحد الفصائل معاً وتنصهر كلها في كيان واحد فالهزيمة محتومة، فمِنْ ثَمّ قفزوا إلى الخيار الصعب الذي لم يروا أمامهم غيره: توحيدها بالقوة والسلاح، ولو سالت الدماء أنهاراً وسقط الشهداء بالمئات، أو بالآلاف!

وإلا فليقولوا بالله عليهم: كيف يستطيع فصيل قوي أن يقهر غيرَه ويجبره على الاندماج به والفرق بينهما في القوة ضئيل؟ لو كان أحدهما عملاقاً من العمالقة والآخر قزماً من الأقزام لابتلع الأولُ الثاني في يوم أو في بضعة أيام، لكن الفصائل التي باتت مهدَّدة بحروب التغلّب متقاربةٌ كلها في القوة، ولن يسلّم أحدٌ منها نفسَه للآخر بغير قتال، ولو فُتح هذا الباب الخطير لسالت الدماء أنهاراً وانهارت الثورة في أقصر الأزمنة لا قدّر الله.

لقد دعا الناسُ ودعوت معهم دهراً إلى توحيد الفصائل حتى أيقنت أخيراً أنها “الدعوة المستحيلة”، فإنها تشبه إدخال جمل في سَمّ إبرة أو فيل في ثقب مفتاح. العاقل لا يكرر المحاولات المستحيلة إلى الأبد، بل يبحث عن البدائل. ألا بدائلَ عن الوحدة الكاملة يمكنها تحقيق الهدف المطلوب؟ بلى، ثمّة بديل سهل مجرَّب قريب.

-5-

لقد بدأت الثورة مشتَّتةً مُشرذَمةً لظروف موضوعية لا يَدَ لها فيها، لأنها نشأت في جيوب ومناطق معزولٍ بعضُها عن بعض. كذا كان الحال في سنة الثورة الثانية التي شهدت انفجاراً هائلاً في تشكيل الكتائب يذكّرنا بالانفجار الكامبري العظيم الذي يدرّسونه في علم الحياة. في تقرير نشره مركز دراسات الحرب أواسط سنة 2013 أحصى ما يزيد عن 1600 كتيبة وفصيل في سوريا. أين هي اليوم؟ كثيرٌ منها اندمج بعضُه في بعض سِلْماً بلا حرب ولا تغلّب، وذاب الصغار في الكبار طوعاً فنشأت هذه الفصائل الكبرى التي نعرفها اليوم.

إن الزمن كفيل بعلاج مشكلة التشرذم والفُرقة، وهو معالِج آمن لا دماء فيه ولا خسائر، ولكنه بطيء بلا ريب، ولو أننا اعتمدنا عليه وحدَه فسوف يدركنا الوقت ويسبقنا العدو وتضيع المناطق المحررة كلها قبل تحقيق الوحدة المنشودة، فما الحل؟ الحل هو استنساخ وتطوير التجارب الناجحة التي جربتها الثورة سابقاً: غرف العمليات المؤقتة والدائمة التي نشأت على مستوى المناطق والجبهات.

إن درجة عالية من التنسيق الميداني تحقق سبعين بالمئة من الفائدة المَرجوّة من التوحيد، وإن إنشاء غرفة عمليات موحدة لكل الفصائل (أو “هيئة أركان حرب” بالتعبير العسكري) تحققها كاملة. وما الجيوشُ التي تملكها الدول وتخوض بها الحروب الكبرى؟ إنها قوّات متنوعة ووحدات مستقلة تجمعها هيئة أركان الحرب: القوات البرية والجوية والبحرية، وغالباً تتألف القوات البرية نفسها من جيوش وفيالق تستقل بحركتها في الجبهات ولكل منها هيئة أركان حربها المصغَّرة، ثم ترتبط تلك الهيئات كلها معاً بهيئة أركان الحرب العامة التي تدير الحرب على المستوى الإستراتيجي.

إذا عجزنا عن توحيد الفصائل فعسى أن لا نعجز عن إنجاز الممكن: “غرفة عمليات مركزية” أو “هيئة أركان حرب مشترَكة” تدير المعركة الكلية مع النظام وحلفائه برؤية موحدة وإستراتيجية عامة.

-6-

بقيت عندنا مشكلة عبث الفصائل بالقضاء وتدخلها في الإدارة المدنية، وهذه المشكلة التي لم تلقَ عُشر معشار ما لقيَته مسألة توحيد الفصائل من اهتمام تكاد تقتل الثورة وتستأصلها من الجذور، لأنها ذات أثر سلبي عظيم في قدرة الحاضنة الشعبية على الصمود، وإذا استسلمت الحاضنة فعلى الثورة السلام.

لا يعيش الناس آمنين إلا بقضاء حر مستقل يعلو على الفصائل ولا تعلو عليه، وبقاء المؤسسة القضائية محلاً للاستقطاب وتنازع النفوذ تسبّبَ في عدم خضوع بعض الفصائل القوية للقانون، فانتشر الظلم في المناطق المحررة وعانى الناس حتى تمنَّوا -في بعض الأحيان- انحسار الثورة عن مناطقهم وعودة النظام. أرأيتم كم تبلغ هذه المشكلة من الخطر العظيم؟ وفوق ذلك وقبله وبعده فإن العبث بالقضاء وتعطيل شرع الله وتحكيم المصالح والأهواء ممّا يستوجب مَقْتَ الربّ وغضبه، فكيف ينصر الله ثورة هذه صفتها؟ أترجو الفصائل الباغية الظالمة منه العون لتزداد بعونه بغياً وظلماً وقهراً للعباد؟ إنّ هذا مُحال.

لو كانت لي كلمة واحدة مُجابَة عند الفصائل لصرفتها في حثها على تحرير القضاء من الهيمنة والنفوذ، لأن القضاء الشريف النظيف المستقل الذي يعاقب المسيء -مهما بلغ نفوذه وبلغت قوته- هو الذي يستجلب رضا الله ويستوجب رضا الناس، وهو الضمان لاستمرار الثورة ونجاحها بأمر الله.

أما الإدارة المدنية للمناطق المحررة فإن استقلالها وكفاءتها تصنع الفرق بين نعيم الناس وشقاء الناس، فإن الملايين يحتاجون إلى خدمات تعجز الفصائل عن تقديمها لنقص المال والكوادر والكفاءات. إن الأقدر على تقديم هذه الخدمات هي المؤسسات الاحترافية التكنوقراطية التي تديرها الحكومة المؤقتة، فلماذا يستمر التنازع بين الفصائل والحكومة سراً وجهراً إلى اليوم؟ إن تعاون الفصائل مع الحكومة سيعود بالخير على الفصائل نفسها قبل أن يعود بالخير على الناس، لأنه سيحرّرها من عبء ثقيل يستنزف مواردها الشحيحة ويضغط على كوادرها المنهَكة. إنه حالة نموذجية لتطبيق قاعدة النجاح الرابعة من قواعد كوفي الشهيرة: “الكل يربح”، فإننا لا نجد فيها خاسراً، بل نجد الكل فيها رابحين.

-7-

أخيراً نصل إلى مشكلة التنازع بين المؤسسات العسكرية والسياسية للثورة، وهي مشكلة كبيرة قد تتسبب في إخفاق الثورة على المدى الطويل، لأن من المحقَّق أن المعارك والثورات لا تنتهي على الأرض وإنما على طاولات المفاوضات، فالثورة زَرْعٌ تبذره القوى العسكرية وتحصده القوى السياسية، هذه قاعدة تاريخية عامة لن تكون الثورة السورية استثناء منها.

خلال السنوات الماضية اتسمت العلاقة بين الفصائل ومؤسسات الثورة السياسية بالريبة والتوجس، ورغم أن السنة الأخيرة شهدت تقارباً نسبياً بين الطرفين إلا أنها لم تصل إلى التكامل المأمول، فهل من أمل في دفع العلاقة قُدُماً وتطوير العمل الثوري السياسي بحيث تملك الثورة مشروعاً سياسياً ناضجاً تتبناه القوى الثورية كلها، وقراراً سياسياً موحداً تردّ به على المشروعات والمواقف الإقليمية والدولية؟

إذا كان توحيد القرار العسكري مهماً جداً (وهو كذلك) فإن توحيد القرار السياسي ليس أقل أهمية؛ كلاهما ضرورة ثورية وفريضة شرعية، وكلاهما شرط لتحقيق الانتصار.

أنا أشهد (وما شهدت إلا بما علمت) أن في الائتلاف الوطني والهيئة العليا عدداً كبيراً من الشرفاء الصادقين الذين يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم والتعاون معهم، وهم ليسوا أقل حرصاً على الثورة وعلى سوريا من حَمَلة السلاح، فقد آن الأوان إذن أن ننتقل إلى مرحلة جديدة من التعاون والتكامل المبني على الثقة والشفافية والعمل المخلص، وأن ننتهي إلى الأبد من التخوين والاتهامات والمزايدات التي لم نحصد منها سوى الضعف والتشتت وتضييع الفرص وخسارة الأصدقاء.

*   *   *

إن “المؤسسة السياسية” هي أهم الكيانات الثورية في هذه المرحلة، وهي أهم من المؤسسة الثورية العسكرية التي بقيت الأهمَّ بإطلاق خلال السنوات الثانية والثالثة والرابعة، فمنذ مؤتمر فينّا وقرارَي مجلس الأمن اللذين صدرا عقبه (2254/2268) ومؤتمر الرياض وتشكيل الهيئة العامة والهيئة العليا للمفاوضات انتقل الثقل الأساسي إلى العمل السياسي، وبات الوضع الميداني نتيجة للحالة السياسية بعدما كان العكس هو الحالةَ الشائعةَ خلال السنوات الماضية.

لقد بات من الضروري إنشاء هيئة سياسية مشترَكة تضم مسؤولي المكاتب السياسية في الفصائل الكبرى المؤثرة في الميدان، وهي لا تزيد عن عشرين، ومجموعةً من خيرة سياسيّي الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات وعدداً من المستقلين المشهود لهم بالخبرة والإخلاص.

ربما كانت هيئةٌ بهذه الصورة هي المخرجَ الذي نبحث عنه لإنقاذ الثورة من حالة الجمود والتراجع والاستعصاء، فهي ستجمع القوى الثورية العسكرية والسياسية، وسوف تعالج حالة الفصام الدائم بين الفريقين وتغدو سبباً في تكامل العمل الثوري بشقَّيه الكبيرين: الحرب والسياسة، فتساعد الثورة على استثمار تضحياتها وتحقيق أهدافها بإذن الله.

 

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , , , | تعليق واحد