هل سيخلعون الأسد؟

هل سيخلعون الأسد؟

مجاهد مأمون ديرانية


هما أسدان، الرجل والنظام، فإذا ذكروا الاسم قصدوا صاحبه فحسب، وإذا ذكرناه قصدناه ونظامَه معاً. إنّ لنا قاموسَنا ولهم قاموسَهم ولنا هدفنا الذي نسعى إليه ولهم هدفهم الذي يحرصون عليه. في قاموسهم توجد كلمة “رحيل الأسد” وفي قاموسنا توجد كلمة “سقوط النظام”، شتّان بين رحيلِ رجلٍ وسقوطِ نظام!

 

إنهم يعلمون ونحن نعلم أن الرجل لم تعد له قيمة في سوريا منذ وقت طويل، وأن الذي يحكم البلاد على المستوى الميداني هم الإيرانيون والذي يتحكم فيها على المستوى الإستراتيجي هم الروس، وأن كل ما بقي من بشار الأسد هو رمزيته التي تمدّ ما بقي من نظامه بالقدرة على التماسك والبقاء، فهم يريدون تماسك وبقاء ما بقي من النظام ولا يعنيهم بقاء رأسه، وعندما يجدون أو يوجدون من يقوم بهذه المهمة فلن يبقى بشار بعدها يوماً ولن يبقى بعدها بعض يوم.

 

*   *   *

 

لعلهم يفكرون في خلع الأسد بشخصه، ولكنهم لن يفكروا بإسقاط نظامه أبداً. وكيف يفعلون وهم ما يزالون يوفرون له الحماية ويمدونه بأسباب البقاء منذ أشرف على السقوط قبل بضع سنين، حينما بلغت الثورةُ أوجَ قوّتها وذروة انتصاراتها وبدا أن الباقي في عمر هذا النظام المجرم ليس سوى أيام معدودات؟

 

إن نظام الأسد هو الزَّرْعة التي زرعوها في أرضنا لرعاية مصالحهم وحماية ربيبتهم إسرائيل، وقد تعهدوا هذه الزرعة بالرعاية والعناية منذ أن كانت شتلة هشّة ضعيفة حتى غدت دوحة عملاقة مدَّت جذورها في عمق الأرض، ولن يضحوا بالزرع الذي زرعوه والنظام الذي صنعوه.

 

قد يقصّون رأس الدَّوحة وقد يقلّمون بعض الأغصان، لكنهم أبداً لن يضحّوا بالساق والجذور. إن جوهر النظام الذي صنعوه هو ما يحرصون على بقائه، وهو نفسه ما نحرص نحن على زواله، فما قيمةُ تغيير الرجل أو خلعه إذا بقي النظام الذي عانينا منها الضر والشر على مدى نصف قرن من الزمان؟ أمَا ذهب الطاغية الأكبر حافظ الأسد من قبل؟ أما فرح بموته الملايين؟ فهل ذهب بذهابه النظامُ وهل انتهت معاناةُ السوريين أو تحرروا من القيود والأغلال؟

 

*   *   *

 

كما فرحنا برحيل الطاغية السابق سنفرح برحيل الطاغية اللاحق، وسنفرح كذلك بكل ضربة يتلقاها هذا النظام من أي طرف كان، ولكن لا ينبغي لنا أن نذهب أبعد من ذلك فنظن أن الثورة ستنتصر بضربة هنا وضربة هناك، ولا يقعنّ في وَهْمنا أن رحيل المجرم الكبير وحده هو هدفنا الذي نسعى إليه، فإن الثورة لن تنجح ولن تتحرر سوريا من الظلم والاستبداد إلا بإسقاط النظام وتفكيك مؤسسته الأمنية التي بلغت الغايةَ في القتل والقمع الإجرام.

 

لا يزال الطريق إلى الحرية طويلاً شاقاً كما كان، ولا تزال إدلب والغوطة في خطر شديد، حمى الله إدلب والغوطة من كل شر وبلاء. فالأَولى بنا أن نترك الأمل الكاذب ونتوقف عن الثقة بمن لا يوثَق به ولا يُرجَى منه خير، وأن نشمّر عن السوق والسواعد ونشرع بالعمل المخلص الدؤوب معتمدين على أنفسنا بعد اعتمادنا على الله.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

الرقة تُباد برعاية دولية

الرقة تُباد برعاية دولية

مجاهد مأمون ديرانية

هذا هو الاسم الذي اختاره السوريون لجمعتهم الأخيرة، ليؤكدوا الحقيقة القبيحة التي لن تخفيها تصريحات كاذبة ولا ستجملّها دعايات مضلّلة. نعم، إنها الحقيقة، فكلهم شركاء في إبادة الرقة: داعش والنظام وإيران وروسيا وأمريكا وبقية دول التحالف، كل واحد من هؤلاء له يدٌ في المجزرة والإبادة التي تتعرض لها الرقة الآن.

 

ولماذا لا يفعلون؟ هل ستكون الرقة أغلى عندهم من حلب؟ أما تواطأت القوى الدولية على حلب حتى سقطت حلب وتشرد أهل حلب؟ وقبلها حمص؟ وعشرات وعشرات من المناطق والمدن والبلدات؟ وهل حلب والرقة وحمص وسائر المناطق السورية المنكوبة أغلى من سوريا كلها التي حوّلوها إلى كتلة من الدمار والأنقاض؟

 

أمَا دُمِّرَت سوريا وشُرِّدَ نصف سكانها وقُتل مئات الآلاف من خيرة رجالها ونسائها على عين العالم وبرضاه؟ ألم يكن ذلك كله ثمناً لبقاء نظام الأسد الذي صنعوه ودعموه وآزروه وأجاروه ليكون راعياً لمصالحهم وحامياً لربيبتهم الغالية إسرائيل؟

 

نعم، لم يُبالوا بذلك كله ليبقى هذا النظام وليُحرَم أهل سوريا من الحرية والاستقلال. لكن الأحرار دفعوه وما عادوا يبالون بالمزيد، فلن يَهنوا ولن يستسلموا، ولن يتوقفوا حتى يحققوا النصر والاستقلال بإذن الله.

 

حمى الله الرقة ودير الزور وإدلب والغوطة ممّا يكيدون وممّا يمكرون، وسلّم هذه المناطق وأهلها الكرام وسوريا كلها من الدسائس والمكائد والمؤامرات.

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

الذين باعوا الفوعة وكفريا

الذين باعوا الفوعة وكفريا: لماذا صنعوا ذلك؟

مجاهد مأمون ديرانية

لم يبقَ قريبٌ ولا بعيد ولا عدوّ ولا صديق إلا وأيقنَ أن إدلب مُقبلةٌ على مَحرقة كبيرة ستروي أخبارَها كتبُ التاريخ، وأن تصدّر جبهة النصرة وتصديرها وصبغ الشمال بالسواد سيكون مبدأ الحريق، وأن هذه السنة هي سنة قلع الزرع الذي زرعته القاعدة في سوريا والعراق، داعش والنصرة، وأن النصرة وحلفاءها لا طاقة لهم بالصمود في سوريا أكثر مما صمدت داعش في العراق، وأن الفوعة وكفريا هما الورقة الأخيرة التي تملكها الثورة للمساومة والضغط فراراً من المصير المحتوم، وأن بقاء عشرات الآلاف من سكان البلدتين رهائنَ تحت نيران الثوار سيعوق مشروع الحريق المشؤوم، ولو إلى حين.

 

إذا كان ذلك كله مما عرفه الناس وعرفته جبهة النصرة وعرفته سائر الفصائل، فلماذا أصرّت جبهة النصرة (في إصدارها القديم وإصدارها الجديد) على تفكيك الفصائل وتشريد الثوار وابتلاع الثورة وصبغ الشمال بالسواد؟ ولماذا رضيت الفصائل بأن تُساق ويُساق معها الشمال المحرر بما فيه ومَن فيه إلى المحرقة؟ ولماذا فرّطوا بالورقة الأخيرة التي لو تشبّثوا بها ورفعوها أمام النار لَوَقَتْ وجوهَهم لفحَ النار؟ ولماذا تفاوضوا مع العدو في الظلام؟ لماذا سلكوا طريق التفاوض والتنازل والتفريط الذي عابوه -قبلُ- وخوّنوا سالكيه؟

*   *   *

اليوم خرست ألسنةٌ طالما تسابقت للمشاغبة والمزايدة على أهل الثورة والترويج لمشاريع الغلاة، وإذا نطقت قريباً فلن تفعل سوى ما فعله علماء السلاطين على مَرّ الزمان: تسويغ الجريمة وتسويقها باسم الدين، فإنّ دين القوم يسع أكبرَ الكبائر إذا كانوا هم أصحابها، ويضيق بأصغر الصغائر إذا كان أصحابها غيرهم من الناس.

 

عوضنا على الله في ثورة ساقها في طريق الضياع “مستقلّون” باعوا ضمائرهم للهوى والسلطان والشيطان، ثورة عظيمة سطا عليها الغلاة بالحديد والنار، ثم باعوها بأبخس الأثمان في سبيل مطامع وأهواء شخصية، أو خدمةً لمشاريع الوهم والسراب.

نُشِرت في رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , | تعليق واحد

المشروع الإسلامي ومنهج القاعدة

المشروع الإسلامي ومنهج القاعدة

مجاهد مأمون ديرانية

من الأفكار المضلّلة التي ينشرها أصحاب الفكر القاعدي بين الناس أن مشروع الدعوة الإسلامية المعاصر انتهى إلى الفشل لأنه لم يستطع إنشاء دولة إسلامية.

 

يمكننا أن نسألهم: وهل أنتج مشروعكم دولة إسلامية، بغضّ النظر عن حجم الكوارث التي تسبّبَ بها والدماء التي أهدرها مقارَنةً بمشروع الدعوة؟ لكننا لن نسأل هذا السؤال أصلاً لأنه ليس السؤالَ الصحيح، فهو يجعل إنشاء الدولة مقياساً لنجاح المشروع الإسلامي، رغم أن المنهج القرآني والنبوي يعلّمنا أن مقياس النجاح هو إنشاء “المجتمع المسلم”، لأنه هو الأصل وهو الأبقى، فالدين يبقى حياً في الأرض ما بقي حياً في قلوب أتباعه، أما السلطان السياسي فإنه يأتي ويذهب ويتغير ويتقلب، لذلك كان همّ الأنبياء جميعاً هو الدعوة قبل الدولة.

 

وإنّا لنجد باستقراء المنهج النبوي أن الدولة لا تقام إلا بالدعوة وأنه ليس للقوة دور فيها، وأنها إذا قامت صارت القوةُ ضروريةً للدفاع عنها والمحافظة عليها فحسب، ولهذه القاعدة النبوية المهمة تفسير مفهوم: لأن القوة لا تصنع الحق بل تحمي الحق، ولأن أي فكرة تعتمد على القوة فقط دون الرضا القلبي والاقتناع الفكري الكامل فإنها لا تبقى، بل تزول مع زوال القوة.

 

إذا علمنا هذه الحقيقة ثم تأملنا حالة مجتمعاتنا المعاصرة والتمسنا أثر الدعوة في إصلاحها وتقويم عيوبها أدركنا -عندئذ- أن القرن الأخير شهد إنجازاً هائلاً لمشروع الدعوة الإسلامية، بأطيافه ومكوّناته كلها، من أقصى طرف السلفية إلى أقصى طرف الصوفية وما بينهما من مدارس وتيّارات، وأن التيار الفاشل الوحيد الذي أنهك الأمة واستهلك طاقتها في معارك عبثية دونكشيتية هو تيار القاعدة (الذي اصطُلِح على تسميته بالسلفية الجهادية).

 

فمتى يعقل القوم ومتى يراجعون أنفسهم وأفكارهم؟ متى يدركون أن منهجهم المقلوب الذي استنزف الأمة على مدى ثلاثة عقود ليس من المنهج النبوي في شيء، وأن الأنبياء بُعثوا لدعوة الناس لا لقتال الناس، وأن الدولة المسلمة ثمرة من ثمرات المجتمع المسلم وليست سبباً لوجوده، فهو الأصل وهي الفرع وإنشاؤه هو الواجب الذي ينبغي أن نحرص عليه ونسعى إليه، وأن نجاحنا يُقاس بالقدر الذي نحققه من هذا الهدف العظيم؟ متى؟

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

كيف نرضى عن الله؟

كيف نرضى عن الله؟

مجاهد مأمون ديرانية

من الناس مَن يبالغ في تعظيم البلاء حتى يُخرجه من الإيمان إلى النكران، ولو أنصف لرأى أنه مهما ابتُلي فإن ابتلاءه يَقْصُر ويتضاءل في جنب السلامة الطويلة والنّعَم الوفيرة الكثيرة التي أنعم الله بها عليه.

 

كل واحد من الناس يُبتلى بالمرض، لكنه لو حسب أيام مرضه لوجدها أياماً معدودة في العام، وسائر الأيام يمضيها في عافية وأمان. كل واحد ينقبض صدره في الحين بعد الحين، لكن كم يبلغ ذلك الانقباض العارض مقابل الانشراح الدائم الذي يوفره الإيمان بالله وذكر الله؟ كل واحد فقدَ في بعض الأوقات أحبّة اختطفهم الموت وهو أشد ما يكون شوقاً لملازمتهم، لكن كم من الأحبّة ما يزالون يحيطون به ويضيئون حياته بنور الأنس والحنان؟

 

لو فكر المرء بأقسى الابتلاءات وأطولها فسوف يكتشف أنها جزء هيّنٌ يسيرٌ مقارَنةً بأضعاف أضعافها من السلامة والسعادة والاطمئنان والأمان، وعندئذ لن يملك إلا أن يقول: “الحمد لله على قضائه مهما يكن، ولا يُحمَد على المكروه سواه”، يقولها راضياً من أعماق قلبه بالقضاء، بخيره وشره وسرّائه وضرّائه، ولعل هذا هو معنى قوله تبارك وتعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.

 

وكيف يرضى المخلوق عن الخالق؟ إن الرضا عن الله هو الرضا بقضاء الله، وهو من صفات المؤمنين الصادقين، أمّا غير المؤمنين فلا يرضَون، بل يسخطون ويتذمرون ويقولون: لماذا أصابني ما أصابني؟ لماذا أنا من دون الناس؟

 

ثم بأي شيء يفيدهم تذمّرهم وسخطهم بعدما كان الذي كان؟ إنهم لا يستفيدون إلا سخط الله. في الحديث: “إن الله يقضي بالقضاء، فمَن رضي فله الرضا ومن سَخِط فله السُّخْط” وفي رواية: “إن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”.

 

اللهم أعنّا على تذكّر نعمك التي لا تُحصَى. اللهمّ ارضَ عنّا، واجعلنا أبداً من الراضين الصابرين الحامدين.

 

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , | أضف تعليق

6 سنوات، ومستمرّون

مستمرون

6 سنوات، ومستمرّون

مجاهد مأمون ديرانية

بالطبع مستمرون، ولو بلغت ثورتنا من عمرها عشراً وبلغت عشرين.

 

ليس لأن الباقي أمامنا من رحلتنا إلى الحرية قصير يسير، بل هو طويل عسير. وليس لأننا نعيش في سعة ورخاء، بل نحن في شدة وعناء وبأساء، ولقد اشتدّ الكرب وثَقُل الحِمل وطالت المحنة حتى أوشك بعض الناس على رفع الراية البيضاء.

 

كل هذا نعرفه ولا ننكره، ونحن رغم هذا كله مستمرون، مستمرون لأن طريق العودة أشقّ وأطول، ولأننا على يقين أن ما ينتظرنا -لو رجعنا إلى حيث كنّا- أصعبُ من كل الصعوبات التي تكتنف الجزء الباقي من الرحلة بما لا يُقاس.

 

يا أيها الناس، يا أيها الصابرون المرابطون في أرض الشام:

 

إن الثورةَ سفينةٌ أقلعت بركّابها من ميناء العبودية والذل والأغلال إلى ميناء الحرية والكرامة والاستقلال، وإنها اليومَ في عُرض البحر تغالب الأمواج العاتية، فلو يئس أهل السفينة وتركوها للموج ابتلعها الموجُ وهلكوا جميعاً، ولو ردّوها على أعقابها عادوا إلى ما كانوا فيه من الذل والهوان، فليس لهم إلا الاستمرار في الإبحار وسط الموج والإعصار حتى يصلوا إلى ميناء الظفر والانتصار.

 

فامضوا واصبروا واثبتوا، واسألوا الله العون والصبر والعزيمة مهما اشتد الكرب وطال الطريق.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , | تعليق واحد

لماذا كره الناس الثورة؟

لماذا كره الناس الثورة؟

مجاهد مأمون ديرانية

أو: لماذا كرهها كثيرون؟ هذه حقيقة، لا هي خيالات ولا فَرْضيات، مَن لم يرَها كان بلا بصر ومن لم يدركها فهو بلا بصيرة، ومَن أنكرها مكابَرةً وهو موقن بها فإنه يكرّس بقاء المشكلة ويساعد على استفحالها، لأن أُولى خطوات حلها هي الاعتراف بها. وكيف يحل المشكلةَ من ينكرها ولا يعترف بها؟

 

لم يكره الناس الثورة لأنهم أصيبوا بسببها في أنفسهم وأولادهم وأموالهم وممتلكاتهم، هذه هي أمّ الحقائق التي ينبغي أن نبدأ منها، فقد صبر السوريون رغم ضراوة المحنة ودفعوا ثمن الحرية راضين مختارين، فحملوا عبء الثورة وقد علموا أنه حمل ثقيل، ومشوا في طريقها وقد علموا أنه طريق طويل. لا والله ما ضعف الشعب السوري الأبيّ ولا استسلم، وإنه ليستحق أن يتصدر سجلات المجد في صحائف التاريخ.

 

لقد كان أحرار سوريا مستعدين للمضيّ في الطريق مهما بلغ طول الطريق، كانوا مستعدين لاحتمال الإصابات والجراحات والآلام، إلا أنهم وصلوا أخيراً إلى رفض الثورة وكراهيتها، أو وصل كثيرون منهم إلى هذه النتيجة المحزنة، فندم بعضهم على المشاركة في الثورة، وبات آخرون يشتاقون إلى عهد النظام وأيامه الماضيات. ألا ينبغي أن نبحث عن سبب هذه الكارثة فنعالجه قبل فوات الأوان؟

 

*   *   *

 

لقد كره كثيرون الثورة لسببين، أولهما أنهم لم يجدوا في الفصائل التي حررت المناطق وحكمتها البديلَ الذي كانوا يرجونه ويطمحون إليه، فقد مارس كثير منها ظلماً واستبداداً ذكّر الناسَ بظلم نظام الأسد واستبداده، ووصل الكبت في بعض المناطق إلى محاربة علم الثورة ومعاقبة من يرفعه في المظاهرات، لو سُمِح أصلاً بالمظاهرات، فقد حرّمها أحد الفصائل وحاربها كما حرّمها وحاربها النظام!

 

الفصائل كلها أو جلّها مارست شيئاً من الظلم وشيئاً من الاستبداد، لكنها لم تبلغ مجتمعةً ما بلغَته جبهة النصرة وحدَها -في إصداراتها الثلاثة- من ظلم واستبداد. والفصائل كلها أنشأت سجوناً مارست فيها التعذيب والتغييب بلا قضاء ولا قانون، لكن كل معتقَلي كل الفصائل لا يبلغون عدد الذين اعتقلتهم جبهة النصرة خارج القضاء ومات كثير منهم تحت التعذيب. أما محاربة علم الثورة وملاحقة رافعيه فلم يجرؤ على صنعه أي فصيل سوى جبهة النصرة، لأنها جريمة فظيعة يعلم أي فصيل أنه سيسقط لو أقدم عليها ويلفظه الناس.

 

*   *   *

 

السبب الثاني الذي كره الناسُ الثورةَ بسببه، ولعله السبب الأهم، هو ما رأوه بين فصائلها من خصام واقتتال.

 

كثيرون لم يميّزوا بين المعتدي والمعتدَى عليه، إمّا لأنهم لم يحبّوا أن يُجهدوا أنفسهم بالبحث والتحقيق، أو لأنهم لا يستطيعون التمييز بين الحق والباطل وبين الخطأ والصواب. هل تذكرون نموذج المدرّس الجاهل الذي كان إذا رأى نزاعاً بين التلاميذ عاقب الجميع؟ إنه الحل الأسهل للكسالى والحمقى ومعدومي الضمير. هذا المدرّس يعلم أن النزاع لا يبدأ إلا باعتداء تلميذ ظالم على بريء مظلوم، لكنه لا يبالي بإحقاق الحق ولا يهتم بإنصاف المظلوم بقدر اهتمامه بمنع الشغب ووقف النزاع.

 

وهذا ما صنعه المجتمع الدولي بالثورة السورية، فإنه لم يميّز بين النظام الأسدي الذي بدأ بالظلم والقتل والشعب الذي اضطر لحمل السلاح دفاعاً عن نفسه وثورته، لقد ساوى بين الطرفين وسمّى الثورة “حرباً أهلية”! وكذلك صنع المغفلون الذين عجزوا عن التمييز بين البادئ بالقتال بغياً والمضطر إليه دفاعاً، فخلطوا بين الجاني والضحية ولم يروا في الساحة سوى “اقتتال داخلي” ونزاع فصائلي، وإذن فعلى الثورة السلام!

 

*   *   *

 

عندما بدأت الثورة تمشي في طريق العسكرة حذّر كثيرون من مشكلات وأخطار حمل السلاح، وشاركت بقلمي الضعيف في التحذير فنشرت -في آخر الشهر الأول من عام 2012- سلسلة من خمس مقالات عنوانها “العمل المسلح: الوحدة أو إجهاض الثورة”، كانت الثالثة منها بعنوان “أخلاق السلاح قبل حمل السلاح”، قلت في أولها:

 

إذا انتشر السلاح في أيدي الناس ولم تجمعهم جامعةٌ واحدة تنظّم أمرَهم وتضع لهم القوانين فلا مفرّ من الوقوع في هاوية “فوضى السلاح”، وإنها لَهاوية بعيدة القرار، جرّبَها غيرُنا فدفع للخروج منها الثمنَ الثمين ولبث يتجرع مُرّها العددَ من السنين، فاحذروها؛ إياكم والوقوع فيها فإنكم إذا وقعتم فيها لا تعرفون كم تدفعون ولا تعرفون متى تخرجون.

 

وقلت في آخرها: لقد أنذرتكم، وإنما أنا نذير ليس لي من الأمر شيء؛ عالجوا هذا الأمر اليوم ولا تتركوه حتى يستفحل ويستعصي على العلاج، إياكم أن تتهاونوا أو تتأخّروا فتفلت الأمور وتسود بيننا فوضى السلاح لا سمح الله. إني أحذّركم يوماً يأتي على الناس يقولون فيه: ألا ليت عهد الأسود يعود! إياكم أن توصلوا الناس إلى نطق هذه الكلمة، لو فعلتم وفعلوا فلن يسامحكم الناس ولن يسامحكم التاريخ. هذا نداء لكل عاقل ولكل شخص حمل السلاح، أرجو أن يُسمَع وأن يُعمَل به قبل فوات الأوان. اللهمّ إني قد بلّغت.

 

*   *   *

 

حينما كتبت ذلك التحذير قبل خمس سنين لم يصل خيالي -حتى في أقصى درجاته تشاؤماً وجموحاً- إلى تصوّر الحالة التي وصلت الثورة إليها اليوم. لم أتصور أن يأتي يوم يُبيح فيه فصيلٌ من الفصائل لنفسه استباحةَ واسئصال غيره من الفصائل التي تقاتل النظام، ثم يجد في جمهور الثورة مَن يؤيده ويصفق له ويعينه على بغيه وظلمه وباطله.

 

والآن بعد الذي كان: كيف سنحمي الثورة من الضياع؟ كيف سنعيد لجمهور الثورة ثقته في ثورته؟ كيف والتنظيمات القاعدية المسلّحة ما زالت تسرح بلا رقيب وتمارس البغي والظلم والعدوان بلا حسيب؟

 

كم جَنَت القاعدة على سوريا! كم أجرمت جبهة النصرة بحق السوريين وكم أساءت إلى ثورتهم العظيمة!

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق