من الثورة إلى الدولة

من الثورة إلى الدولة

مجاهد مأمون ديرانية

طال طريق الثورة، وها نحن نقترب من نهاية سنتها الخامسة ونهمّ بالدخول فيما وراءها*، ولا ندري كم يبلغ ما وراءها، وما نزال ننتظر أن يجود علينا الزمان بمَخرج من الحالة التي نحن فيها، نحسب أنّ الزمن وحدَه كفيلٌ بالعلاج، أو أن من شأن عمل محدود (كتوحيد الفصائل) أن يُنهي مشكلاتنا ويكلل ثورتنا بالنجاح.

وهذا وَهْمٌ كبير، فإن أي تغيير محدود في أدواتنا الحالية لن يغيّر حالتنا تغييراً حقيقياً ولن يحقق لثورتنا الانتصار، لأن ما بقي من الطريق لا يشبه ما مضى منه، فثورتنا أشبَهُ بسفينة أبحرت في عُرض بحرٍ لجّي هائج، وهي لا تستطيع أن تقف وسط البحر فيبلعها الموج، بل لا بد لها أن تصل إلى ميناء آمِن، فإذا وصلت وألقت مراسيها وانتقل الناس إلى البرّ فلا حاجة لهم بها من بعد.

إذا كانت الثورةُ سفينةً في بحر هائج فإن الدولة بناءٌ على بَرّ آمن. تختلف طبيعة المرحلة وتختلف أيضاً أدواتها ويختلف رجالها، فلا السفينة التي نبحر فيها في بحر الثورة هي الأداة التي نستطيع أن ننطلق فيها في بَرّ الدولة، ولا ربان السفينة هو ذاته الذي يستطيع أن يقودنا في مرحلة الدولة بالضرورة.

هذا الفرق الجوهري لم يدركه أكثر ثوارنا بعد، فما نزال نفكر بعقلية الفريق الذي استطاع أن ينجز المرحلة الأولى والذي يصرّ على قيادة المراحل اللاحقة. لم ندرك أنّ بنية الدولة تختلف عن بنية الثورة، لم ندرك أن الثورة “بناء شعبي عسكري” وأن الدولة “بناء مدني سياسي”، وأن الانتقال بينهما لا يتحقق تلقائياً، إنما يتحقق بإصلاح طريقة تفكيرنا وتغيير أسلوب العمل وأداوته.

*   *   *

إننا لن نستطيع وراثة نظام الأسد ما لم نقدّم نظاماً بديلاً ينقلنا من حالة الثورة إلى حالة الدولة، ولن نستطيع أن نعبر الفجوة الكبيرة الخطيرة بين الثورة والدولة إلا بالتخلي عن “المؤسسات الفصائلية” المبعثرة المفرقة وإنشاء مؤسسات الدولة الجامعة. لا ريب أن المعوقات التي تعوق هذه النقلة المهمة كثيرة جداً، ولكي لا أطيل سأركز على أكثرها أهمية، وهي -في جوهرها- معوقات نفسية وفكرية وليست صعوبات حقيقية عصية على العلاج.

1- “الفصائلية” أو الانتماء المنهجي

ما زالت فصائلنا إلى اليوم تدير ثورتنا بعقلية فصائلية. إن العقلية الفصائلية تهزم مشروع الثورة، ومن باب أَولى أن تهزم مشروع الدولة. الثورة لا تستطيع أن تصمد أمام التعصب للفصيل والتعصب للمنهج، وهذا ما نجده على الأرض حتى الآن: ثورة مشتّتة مقطعة الأوصال لأن أصحابها متمسكون بمشروعاتهم الجزئية الصغيرة على حساب مشروع الثورة الكلّي الكبير. إن العصبية الفصائلية التي أضعفت الثورة وفرّقتها أشتاتاً لا يمكن، لا يمكن أبداً أن تنجح في بناء دولة وإنشاء نظام جديد يرث النظام القديم.

 2- تملّك الثورة

“نحن وهُم”. نحن الذين صنعنا، لن نسمح لهم بأن يسطوا على منجزاتنا! مَن نحن ومَن هم؟ أنحن صنعنا لنُذكَر ونُشكر أم لنؤجَر أم لنوصل هذه السفينة إلى برّ الأمان؟ إن كان للذكر والشكر فمَن حصل عليهما فقد ظفر، وإن كان للأجر فالأجر عند رب السماء، وإن كان لكي نقود السفينة إلى البر الآمن فعلينا أن نتخلى عن “منطق المُلكية” لأننا لا نملك الثورة أصلاً.

إن الفصائل لا تتجاوز -في أكثر التوقعات تفاؤلاً ومبالغة- مئتَي ألف، والذين يحق لهم أن يمتلكوا الثورة ويمثّلوها يزيدون عن عشرة ملايين من أحرار سوريا الذين دفعوا الثمن، الذين سُجنوا وعُذّبوا وشُرّدوا وهُدّمت بيوتهم وقُتّل أولادهم. أولئك كلهم يملكون الثورة ومن حقهم أن يكون لهم فيها رأي ورؤية وقرار واختيار، وليس من حق مئة ألف أو مئتَي ألف أن يحتكروا ملكية الثورة بمنطق “نحن وهُم” فقط لأنهم هم حَمَلة السلاح.

3- رفض التشاركية

أكثرنا لا يملك إلى اليوم الاستعداد النفسي والفكري للتشارك مع الآخر. إن الدولة أكبر بكثير من الفصيل أو الجماعة، الثورة ذاتها عجز عن حملها فصيل بمفرده، ولن يستطيع، رغم أن أكثر الفصائل الكبرى ما تزال تعيش في هذه الأحلام والأوهام، فيظن الواحد منها أنه قادر بمفرده على تحقيق الانتصار، فيقاوم جهود التوحيد ويرفض صهر المؤسسات الصغيرة في مؤسسات الدولة الجامعة.

لقد صارت هذه من الأحلام الكبرى: أن نجمع أهل الثورة على الثورة. إن الثورة لا يمكن أن تحقق هدفها بلا تشاركية، وهي جزء صغير من الطريق الطويل، فكيف بالدولة؟ هل يمكن أن تُبنى إلا بتشاركية حقيقية؟ إن الدولة هي الوعاء الجامع لأهل البلد جميعاً، فهي تضم الإسلاميين وغير الإسلاميين وتضم أهل الطوائف والأديان والأعراق المختلفة، وهؤلاء كلهم سيشاركون في بناء الدولة. الدولة في سوريا كان يحملها قبل الثورة ملايين، ونحن بحاجة إلى إعادة استيراد أولئك الملايين لبناء الدولة الجديدة.

*   *   *

الخلاصة: لقد بتنا أخيراً في حاجة ملحّة إلى مشروع إنقاذ جذري بعيداً عن الترقيع والتجميع. علينا أن نعيد هيكلة الثورة لإنتاج بنية ثورية جديدة تصلح أن تكون جسراً بين حالة الفصائلية الراهنة ومشروع الدولة المستقلة الذي نحلم به، وهذا المشروع الطموح لا يمكن تنفيذه بتجميع الكيانات القائمة -عسكريةً وغيرَ عسكرية- بصورتها الراهنة، فلو أننا اقتصرنا على التجميع فسوف نعيد إنتاج الحالة الحاضرة بأسماء جديدة فحسب.

إن “إعادة هيكلة الثورة” عملية جذرية تحتاج إلى شجاعة وجرأة وإخلاص، وقد تتسبب في تفكيك جزئي لبعض المؤسسات الثورية الحالية وإعادة تركيبها في كيانات جديدة، على أن يُراعَى في هذه العملية ضابطان رئيسيان: (أ) فك الاشتباك بين المؤسسات الثورية المختلفة والفصلُ بين السلطات العسكرية والمدنية والقضائية. (ب) إعادة توزيع الكوادر البشرية على المؤسسات الثورية حسب الكفاءة والخبرة والاختصاص.

إن هدف “إعادة هيكلة الثورة” ليس حل الكيانات الحالية ودمجها في كيانات موحدة، فقد ثبت أن هذا الإجراء مستحيل على مستوى الفصائل العسكرية والمؤسسات الثورية غير العسكرية على السواء، ولن يؤدي السعي في هذا الاتجاه إلاّ إلى إضاعة المزيد من الوقت الثمين. إن ما ينبغي أن نسعى إليه هو إنتاج “أجهزة ثورية مركزية” من خلال اجتماع المؤسسات الثورية على مبدأ الشراكة والتنسيق والتعاون الطوعي، وصولاً إلى كيان ثوري وطني جامع يقود الثورة السورية ويقضي على حالة التشرذم والشتات.

مهما طال الزمن تبقى الفصائل فصائل، فإنّ أقصى ما يمكن أن تصل إليه “الحالة الفصائلية” لن يزيد عن مناطق نفوذ مبعثرة، أما “الأجهزة الثورية المركزية” فإنها نواة صالحة لإنشاء دولة، فهي يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مؤسسات الحكم في الدولة المستقلة المرجوّة.

إن الثورة تملك ما يكفي من الكفاءات لتكوين “الأجهزة الثورية المركزية” المطلوبة، لكن كثيراً من تلك الكفاءات ما يزال محجوباً بسبب “احتكار السلطة” الذي مارسته الفصائل، وقد آن الأوان لتدرك هذه الفصائل أن الثورة أكبر منها بكثير؛ إنها مشروع كبير لولادة دولة كاملة، وهو من الضخامة والثقل بحيث يحتاج إلى أعداد هائلة لحمله ونقله من عالم الأحلام إلى عالم الوجود.

_______________

* هذه المقالة جزء من “ورقة” قُدِّمت في “الندوة التشاورية الخامسة” التي عقدتها هيئة الشام الإسلامية في إسطنبول في شباط 2016، وقد عرضتُ فكرتها الرئيسية بتوسع في مقالة نشرتها السنة الماضية بعنوان “ما بعد الفصائليّة: من الثورة إلى الدولة”، اقتبستُ خلاصتَها وضممتها إلى هذه المقالة (من “الخلاصة” إلى آخر المقالة). من أحب الاطلاع عليها كاملةً سيجدها في هذه المدونة على الرابط التالي:

https://shamquake.wordpress.com/2016/07/29/4201/

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

هل آن أوان الاستسلام للنظام؟

هل آن أوان الاستسلام للنظام؟

مجاهد مأمون ديرانية

“لقد استنفدنا الوُسعَ ولم نعد قادرين على الاستمرار، علينا أن نعترف بالهزيمة ونرفع راية الاستسلام ونتصالح مع النظام قبل أن تفنى البقية الباقية من بلادنا ويموت مزيد من الناس”.

هذا ما أرسله لي -رداً على المقالة الأخيرة- قارئٌ طوى اسمَه فلم أعرفه، ولكني لم أستبعد أن يشاركه في هذا الرأي آخرون، فآثرت أن أجيبه في كُلَيمات أنشرهنّ نشراً عاماً ليقرأهنّ من يرى هذا الرأي ويردد هذا المقال.

*   *   *

أنا لا أستطيع أن أمنعك أو أمنع غيرك من ترك الثورة والاستسلام للنظام، ولكني أستطيع أن أذكّرك بما ينبغي أن تعرفه، ولعلك نسيته أو تجاهلته في غمرة الضغط الذي تتعرض له والضيق الذي تعيش فيه.

نحن لا نقاتل عدواً جديداً مجهولاً لا نعرف مقدار شَرّه، بل هو عدو قديم عرفناه وعشنا في سجنه الكبير دهراً طويلاً، فعرفنا أنه نظام متمرس بالإجرام وأن من أظهر صفاته الغدر والانتقام، فإذا وقَفْنا ثورتَنا وعُدنا إليه مستسلمين فسوف يكون انتقامه مروّعاً، وسوف يسحق هذا الشعب المسكين.

قد لا يقوم بمجازر واسعة على عين العالم، لكنه سيقتلنا قتلاً خفياً بطيئاً بالتأكيد. سوف يقود خيرة شبابنا إلى المعتقلات آلافاً وراء آلاف ويرميهم فيها حتى يتعفنوا، ولن يسأل عنهم أحد ولن يعرف أحد مَن بقي منهم ومن مات. أما علمت أن ثلاثين ألفاً من معتقَلي المحنة الأولى قُتلوا في السجون وأن ثلاثين ألفاً آخرين ما يزالون مغيّبين لا يُعرف -بعد هذا الوقت الطويل- أأحياء هم أم أموات؟ هذه المرة لا يُستبَعد أن يغيب في السجون والمعتقلات مليون سوري لو استسلمنا لا قدّر الله، وقد تكون أنت أو يكون ابنك واحداً من أولئك الضحايا، فهل ترضى هذا المصير؟

*   *   *

لو فشلت الثورة ولو استسلمنا للنظام فسوف يصبح عشرون مليون سوري رهائنَ في سجن كبير اسمه سوريا، وسوف يلاحق النظام المجرم أعداءه الذين نبذوه وحاربوه ولو بشق كلمة. أما علمتم أنه بدأ -في آخر كانون الماضي- بإنشاء محاكم خاصة لتعقب ومعاقبة مرتكبي الجرائم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفيسبوك؟ ما هي الجرائم التي ارتكبها وسوف يحاسَب عليها الجناة في تلك المواقع؟ إنها المشاركة في “الحرب المعلَنة على النظام” كما أوضح بيان وزارة العدل (وأحرى أن تُسمَّى وزارة الظلم) الأسدية التي أصدرت القرار.

باختصار: نصف السوريين صُنِّفوا سلفاً أعداءً محاربين للنظام، نصف السوريين سيتعرضون للاعتقال والتحقيق والتعذيب والشبح والحرق وقلع الأظافر والصعق بالكهرباء، وسوف ينتهي عشرات الآلاف منهم جثثاً ملفوفة في أكياس عليها أرقام بلا أسماء. من يرضى لنفسه وإخوته وأولاده وأهل بلده هذا المصير؟

*   *   *

نعم، نحن في وضع صعب وفي كرب شديد، غيرَ أنّ الصبرَ على المعاناة وإصلاحَ الثورة وإكمالَ الطريق -مهما طال- أهونُ من الضريبة الهائلة التي سيدفعها السوريون لو استسلموا وقبلوا بالمصالحة والعودة إلى أحضان النظام.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

ماذا بقي من ثورتنا؟

ماذا بقي من ثورتنا؟

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

ينبغي أن نملك ما يكفي من الشجاعة والواقعية لنعترف بأن ما فقدناه كثير كثير، وأن نملك ما يكفي من التفاؤل والإنصاف لنقرر أن ما بقي معنا كثير كثير.

باختصار: سوف ندرك حجم ما فقدناه عندما نقارن حالة الثورة اليوم بحالتها في مطلع عام 2013، حينما غطى العلمُ الأخضر سبعةَ أعشار الأرض السورية، وسوف ندرك حجم ما بقي معنا عندما نقارن حالنا اليوم بحالنا في بداية عام 2011، عندما أحكم نظامُ الاحتلال الأسدي قبضتَه الفولاذية على أربعة وعشرين مليون سوري، يوم كان الهمسُ بكلمة انتقاد خجولة ضد النظام حلماً من أشد الأحلام تحليقاً في عالم الخيال.

-2-

نعم، ما أكثرَ ما خسرناه وضيّعناه! وهما كلمتان مقصودتان غيرُ مترادفتين؛ “خسرنا” -بشرف- أراضيَ ومكتسبات سالت دفاعاً عنها دماؤنا أنهاراً وبذلنا في سبيلها كرائمَ التضحيات، و”ضيّعنا” -بغباء- أراضيَ ومكتسبات لم نحسن الدفاع عنها، فتخلّينا عنها لعدو خَدّاع رفعَ راية الجهاد وتقنّعَ بقناع الدين، والدينُ والجهاد منه بَراء.

وإنّ مأساتنا لَتَتضاعف ويزيد الجرح ألماً حينما نعلم أن ما ضيَّعْناه بغباء يبلغ عشرةَ أضعاف ما خسرناه بشرف؛ أكثر من نصف مساحة سوريا (حرفياً) سلّمناها لداعش بلا مقاومة تُذكَر ولا قتال، ثم عادت داعش فسلّمتها للمليشيات الكردية والإيرانية والنظام. أما ما فقدناه بشرف وبعد مقاومة واستبسال سوف يسجلهما التاريخ (في داريا والزبداني والوعر ووادي بردى وسائر المناطق التي طال صمودها قبل الانهيار) فلا يكاد يبلغ معشار ما خسرناه بسبب داعش، وإنّ من أعجب العجب أن ما نذرفه على العُشر الأخير من دموع يبلغ أضعافَ ما ذرفناه على الأعشار التسعة الباقيات.

-3-

ذلك ما ضاع، أما ما بقي فما أكثرَه وما أعظمَه!

بقيت معنا أراضٍ محرّرةٌ تكفي -بالميزان العسكري الصرف- “رأسَ جسر” إلى التحرير الكامل لو عرفنا كيف نخوض المعركة. بقيت في أيدينا أسلحة كان حصولنا على عُشر معشارها في أول الثورة ضرباً من الخيال. بقيت في قلوبنا روح الثورة التي اتّقدَت نارُها بالتضحيات العِظام الجِسام، ومهما ذهب منها فإنّ في جمرتها الباقية من العنفوان ما يوقد مئة ثورة. بقيت في أنفسنا الكرامةُ التي ضللنا الطريقَ إليها ثلاثين سنة، بل خمسين، حتى اهتدينا إليها وتذوّقنا طعمها الجميل، فلن نعود إلى الذلة راغبين مستسلمين بعد اليوم. بقيت في أذهاننا التجربة المُرّة التي خضناها مع الغلوّ والغلاة، فصار في مخزون السوريين من الوعي ما يوزَّع على شعوب العالم الإسلامي ويزيد. بقيت لدينا كفاءاتٌ وإبداعات صنعتها الثورة وطاقاتٌ وخبرات صقلتها الثورة، كفاءات وخبرات في كل المجالات، العسكرية والسياسية والإدارية والقانونية والإعلامية، لو أُحسن تنظيمها وتفعيلها لقادت الثورة حتماً إلى الانتصار بأمر الله.

-4-

وماذا الآن؟

نستطيع أن ندفن رؤوسنا في الرمل ونقنع أنفسنا بأننا في أحسن حال، فلا نبحث عن عيوبنا وأمراضنا ونتركها حتى تستكمل الفتك بثورتنا لا قدّر الله، وهو أمر سيصنعه فريق منا بالتأكيد. ونستطيع أن نصنع صنيع العاجزين فنرفع راية الاستسلام ونقول: لم يبقَ شيء وعلى الثورة السلام، وهو أمر سيصنعه آخرون. ونستطيع أن نتقمص الدور الأسوأ على الإطلاق، فنقول: “لماذا ثرتم أصلاً ودمرتم البلد؟ أما كنا عايشين؟” وهو أمر صنعه ويصنعه قوم متبلّدون، نقول لهم: بئس مَن يترك الجلاد ويلوم الضحية. ونقول لهم: ما أسوأه من وصف لحياة لا تزيد عن حياة البهائم في أقفاص حدائق الحيوان!

ونستطيع أن نكون خيراً من أولئك جميعاً وأقربَ إلى فهم القانون الإلهي القرآني الصارم، فنبحث عن الأسباب ونعالجها قبل فوات الأوان. لقد كسبنا في أول الثورة مكاسبَ كبيرةً خسرنا -من بعدُ- كثيراً منها، فمَن سأل عن سبب التراجع بعد التقدم وعن الخسارات بعد الانتصارات فليقرأ قوله تبارك وتعالى: {أوَلمّا أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثلَيها قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم}؟ وقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير}. اللهمّ لك الحمد، لولا أنك عفوت عن كثير لأهلكَتْنا أفعالُنا منذ حين.

-5-

يا أيها الناس: لا تكونوا من الآيسين فتنفضوا من الثورة أيديكم، فإنها أعظم مشروع قام به أهل سوريا في نصف القرن الأخير. ولا تكونوا من المتواكلين فتنتظروا تغييراً بلا تغيير، فإن الله وعدكم بتغيير مقابل تغيير فقال: {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. ولا تكونوا من المتبلدين الذين يريدون أن نعود إلى أقفاص البهائم وحياة العبيد.

لو ماتت ثورتنا اليوم -لا قدّر الله- فسوف يبدأ جيل قادم بثورة أخرى بعد سنوات فيدفع مثلَ الثمن الذي دفعه هذا الجيل، لأن احتمال الحياة في قفص النظام الأسدي مُحال، فلماذا ندفع الثمن نفسه مرتين؟

إن إصلاح ثورة بقي من جَذوتها نصفُها أو نصفُ النصف أهون من بدء ثورة جديدة من الصفر بعد حين، فتداركوا ثورتنا قبل أن تحل الكارثة ونفقد ما بقي في أيدينا من إرث الثورة العظيم.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

هل نقفز من السفينة؟

هل نقفز من السفينة؟

مجاهد مأمون ديرانية

نشرت أمس “حكاية قصيرة” عن السفينة التي أسلمَها خلافُ طائفة من ركابها إلى التيه والتخبّط في عُرض البحر الزخّار، فكان السؤال: إذا اختلف الربابِنةُ والقباطِنةُ فماذا يصنع سائر الركاب؟ هل يقفزون من السفينة؟

الجواب في حديث النبي الهادي إلى الرشد والنجاة، فهو -عليه الصلاة والسلام- الذي شبّه الجماعةَ المسلمة بركاب السفينة، وهو الذي علّمنا ما ينبغي أن نصنع حينما توشك أن تتسبب حماقةُ بعض الركاب في غرقها. كلنا نحفظ الحديث، لكن الأقلّين هم الذين يطبّقون وصفته القاسية: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وأن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعاً”.

*   *   *

سيقول قائل: عرفنا العلاج النبوي وأردنا اتّباعه، غيرَ أنّا لم نعرف: مَن الذي يخرق السفينة؟ أقول: إنّ مَن لا يستطيع أن يميّز بين من يخرق السفينة ومن يأخذ على يد الخارق ليس أحسنَ من الذي لم يميّز بين الجلاد والضحية، بين النظام الظالم المستبد والثوار الأحرار الذين ثاروا عليه أولَ مرة.

نعم، ما يزال فينا، في ركاب السفينة، مَن لا يحسن التمييز، بل إنّ فينا من يقف في وجه من يريد منع الخارق من الخرق، يقول: هذا راكب صالح من الركاب، لماذا تعارضه وتعاديه؟

ويلكم يا هؤلاء، اقرؤوا الحديث! لا تهمنا نيّة صاحب العمل بل تهمنا نتيجة العمل. الذين خرقوا السفينة -في الحديث- لم يصنعوا ذلك ابتغاء الشرّ، بل ابتغاء الخير الذي توهّموه؛ قالوا: “لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا”. النبي عليه الصلاة والسلام لم ينظر إلى نياتهم، النيات مرجعها إلى الله يفصل فيها يوم الحساب، إنما المهم النظر إلى الأعمال، هذه هي مهمة العباد، واجبهم أن ينظروا إلى أثر العمل فيحكموا عليه، فيقبلوه أو يرفضوه. فإذا تحقق فيه الضرر وجب عليهم، فُرِض عليهم فريضةً لازمةً أن يقاوموه ويغيّروه، فالسيّئ فيهم مَن تقاعس عن مقاومة الشر وتغييره، وأسوأ الجميع هو مَن عارض الذين يريدون الإصلاح والتقويم. هذا شر الناس على الإطلاق، ويؤسفني أن أقرّر أن عندنا منهم في ركاب السفينة كثيرين.

*   *   *

في سفينتنا رَبابينُ وقَباطينُ يصرّون على توجيه السفينة إلى الهلاك، وفينا من يساعدهم باليد أو يدافع عنهم باللسان، وفينا من يمنع الآخذين على أيديهم من الأخذ على أيديهم ويمنع المصلحين من الإصلاح.

فإمّا أن يتكاتف أهل السفينة جميعاً ويمنعوا الخارق من الخرق، أو يقذفوه من السفينة ويكملوا رحلتهم بسلام، أو سيتحقق فيهم وَعيدُ رسولنا الكريم: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً”، وإذن فلينتظروا مصيراً لا يفرق بين الذين ارتكبوا الجريمة والذين صفقوا لها وسوّغوها والذين سكتوا عن إجرام المجرمين.

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

حكاية قصيرة

 

حكاية قصيرة

 

مجاهد مأمون ديرانية

يُحكى أن قوماً اشتركوا في سفينة وأبحروا بها في بحر لُجِّي هائج اضطربَ سطحُه واصطخَبَ موجُه، فما لبثت جماعةٌ منهم أن اختارت قبطاناً ونشرت الشراع ووجّهت السفينةَ إلى الشرق، ثم قامت جماعة ثانية فاختارت قبطاناً آخَرَ وحركت المجاديف ووجهت السفينة إلى الشَّمال، وقامت جماعة ثالثة فاختارت قبطاناً غير الأوّلَين وركّبت محركاً بخارياً ووجهت السفينة إلى الغرب، ثم تعلقت بالسفينة ثُلّةٌ من القراصنة ففكّت المحرك وشقّت الشراع ودقّت المجاديف ووجهت السفينة نحو الجنوب.

 

فقام بعض ركاب السفينة فقالوا: إن الزاد قليل، وإن اختلافكم يُطيل الطريق ويهلك الركب؛ ابحثوا عن أقرب أرض تصلح للحياة فألقوا فيها المراسي ودعونا ننزل إلى بَرّ الأمان.

 

قال الفريق الأول: لا نرضى بغير الميناء الشرقي محطةَ وصول. قال الفريق الثاني: ميناء الشمال خير منه، وهو خيارنا الوحيد. قال الفريق الثالث: بل الغرب هو المقصد المطلوب. قال الأخيرون: نحن ما ركبنا مركبكم إلا لنصل إلى ميناء الجنوب، وسوف نمضي إليه ولو كان في أقصى الأرض. سنأخذكم إليه راغبين أو نفرضه عليكم راغمين، ولو غرقنا وغرقتم معنا فهو خيرٌ من رسوّ آمن في شرق وغرب وشَمال.

 

وما تزال السفينة تتخبط في عُرْضِ البحر الزخّار حتى كتابة هذه السطور.

 

 

تغريدات عودة داعش

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=162381490833464&set=a.102618310143116.1073741828.100011848412182&type=3&theater

https://twitter.com/mujahed_dira/status/771783455633997829

https://twitter.com/search?q=from%3Amujahed_dira%20since%3A2016-09-02%20until%3A2016-09-3&src=typd

 

الذين يعاقبون الله

 

ما فينا أحد إلا وأصابه أذى من الناس، قَلَّ أو كَثُر، حتى من أقرب الناس إليه، غيرَ أننا نصبر غالباً على الأذى القليل ولا نعادي من نحب لأننا نغفر لهم قليل سيئاتهم في جنب الكثير من الحسنات. إنني أفكر في أولادي: أما أسأت إلى أحد منهم قط؟ هل هم راضون عن ؟ لا يمكن، فالكمال لله وحده ولم يخق من لا يخطئ، إلا أننا نغفر حصى من السيئات في جنب جبال من الحسنات.

 

بعض الذين يتسامحون مع الناس لا يتسامحون مع الله. هؤلاء الناس يتقلّبون في نِعَم الله الأيام الطوال، فإذا أصابهم في يوم من الأيام مصاب نسوا

 

وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسَّكم الضُّر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضُّرَّ عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون

ولئن أذقنا الإنسان منّا رحمةً ثم نزعناها منه إنه لَيَؤوسٌ كَفور، ولئن أذقناه نَعماء بعد ضَرّاء مَسَّتْه لَيقولَنّ ذهب السيئات عني، إنه لَفرِحٌ فخور

وإنّا إذا أذقنا الإنسانَ منّا رحمة فرح بها، وإنْ تُصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كَفور

لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، وإنْ مَسَّه الشر فيَؤوسٌ قَنوط. ولئن إذقناه رحمة منّا من بعد ضَرّاء مَسَّتْهُ لَيقولَنّ هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده لَلحسنى

قال بعدها: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مَسَّه الشرُّ فذو دعاء عريض

 

لو أن أحداً أعطاك وأخذ منك بمقدار ما أعطاك لقلت إنه عادل ولما تجرأت على اتهامه بالظلم، فكيف لو أعطاك أضعاف أضعاف ما يأخذه؟ لقد جعل الله الآخرة دار نعيم وعطاء، ولو أراد العدل لجعل الدنيا دار أخذ وبلاء فقط، ولو فعل ذلك لكان محسناً إلينا لأن الدنيا قصيرة فانية والآخرة طويلة باقية، لكنه أبى على نفسه إلا الزيادة في التفضل والإحسان، فجعل الآخرة دار عطاء مطلق والدنيا دار أخذ وعطاء.

 

ولو شاء لطبق علينا في الدنيا قانوناً عادلاً متوازناً، ولأخذ منّا بمقدار ما أعطانا، غير أنه لم يفعل. لأنه رحيم فإنه يطبق قانوناً منحازاً لصالح الطرف الأضعف، الإنسان، فما يعطيه كثير كثير، وما يأخذه قليل قليل. ولأنه غفور فإنه يؤاخذنا بالقليل ويعفو عن الكثير (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) ولأنه حليم فإنه يصبر علينا ولا (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة)

 

أعطاك الله في كل يوم أربعاً وعشرين ساعة ثم قال: أعطني منها واحدة للصلاة واصنع ما شئت بثلاث وعشرين، نَمْ وكُلْ واعمل واكسب والعب و. أعطاك اثني عشر شهراً في السنة ثم قال: اترك من أجلي طعامك وشرابك نصف يوم في شهر منها ثم كُلْ واشرب في أيام سائرها كما تشاء. أعطاك أربعة آلاف دينار ثم قال: احتفظ لنفسك بثلاثة آلاف وأعد لي مئة، أنفِقْها على المحتاجين والمساكين.

 

ربما ابتلاك الله بأسبوع من المرض ووهبك عاماً من الصحة، ربما ابتلاك بخسارة آلاف ورزقك غيرها مئات آلاف، ربما أخذ منك حاسة وأبقى لك سائر الحواس، ربما

في كل الأحوال أنت -أيها الإنسان- الطرف الكسبان،

 

الذين يعبدون الله على حرف، فإذا أخذ قليلاً مما وهب عاقبون فتركوا عبادته. هؤلاء ينسون أنهم الطرف الأضعف، والطرف الأضعف يصبر ولا يعاقب ولو كان القوي معتدياً، فكيف والقوي هو المعطي الكريم الرحيم؟

إما لأنه يثق بعدل القوي ورحمته أو لأنه يخشى عقابه، وكلاهما خبرنا الله بهما عن نفسه (وبلكيهما وصف الله نفسه: وهو شديد العقاب)

ينسى من يصنع ذلك أن لحظة قادمة لا محالة، سوف يحتاج فيها إلى الله الذي عقه وعاقبه وقاطعه. ماذا سيصنع عندها؟

من أعطاك الكثير يستيع أن يأخذ منك كل ما أعطاك، فذا وهبك أولاداً ثم أخذ منهم واحداً فعققته فلماذا لا يأخذ الباقين؟ الذين روزقك أمولاً ثم نقص منها

فاشكره على ما وهب واحمده على ما بقي بعد الذي أخذ

 

 

أيها الفصائل: فُكُّوا العاني

 

انصرم من شهر رمضان ثلثاه وبقي ثلث واقترب العيد، وما يزال كثيرون بعيدين عن عائلاتهم وأولادهم وزوجاتهم بسبب الاعتقال التعسفي الذي تمارسه كثير من الفصائل

 

قبل أيام أفرجت حركة أحرار الشام عن القيادي في تجمع فاستقم الي

 

مهما تكن التهم التي يتهم بها جيش الإسلام أبا صبحي طه أحد أبطال الثورة ورموزها المبكرة، وهو عراب المسيرة العظيمة إلى العباسيين يوم الجمعة العظيمة، ومن أوائل ثوار الغوطة وصاحب المحاولة الجريئة لاقتحام دمشق، التي لو نجحت لتغير تاريخ الثورة وتاريخ سوريا

__________________

 

الجبال الكبيرة تتكون من ذرات من التراب.

اصنع كل يوم معروفاً صغيراً تجد بانتظارك في الآخرة جبلاً من الحسنات.

 

____________________

 

 

قاربت داعش على الانتهاء في العراق فما الذي حققته ؟

1- تدمير مدن المسلمين في العراق .

2- ضياع أموالهم .

3- قتل أبنائهم .

4- تمكين الرافضة من مدن المسلمين في العراق .

5- زرع بغض التوحيد والسنة في نفوس الكثير من الجهال .

6- تشريد المسلمين في تلك المناطق وتعريضهم للفقر والمجاعة والذل والهوان .

7- تقوية الحشود الرافضية وتسليحها وتدريبها بحجة مواجهة داعش .

 

كلها تصب في صالح الرافضة.

 ومن آثارهم تعرفونهم .

الشيخ علي الرملي حفظه الله تعالى

 

mujtawi$1603%skn#5762

 

ماذا بقي من الثورة

بصدق ولأأمانة: ذهب الكثير وبقي الكثير

نستطيع أن نمضي بقية أعمارنا في الندب

بدل الندب على ما فات لنعمل بما هو موجود ولنبن لما هو آت

لو ذهبنا نستقي أسباب ما أصابنا لتشعبت بنا السبل، فلنقتصر على الأصول ولا نضيع أوقاتنا في تتبع الفروع

لشجرة البلاء في ثورتنا أصلان وجذران اثنان لا غير: الغلو والفساد

الثاني أهون من الأول لأنه يقتات بالفروع والأول أصل الشر لأنه يصادر أصل المشروع

هذا يتلقط ما يسقط من حمل الجمل وذاك يسرق الجمل بما حمل

 

 

وَقْف تَفريح الأطفال

 

-1-

 

روى ابن بطوطة في رحلته قصة عجيبة عَدّها من مفاخر دمشق، قال: “مررت يوماً ببعض أزقّة دمشق فرأيت به مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صَحْفة من الفخّار الصيني، وهم يسمونها الصَّحْن، فتكسرت. واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمَعْ شُقَفَها واحملها معك لصاحب “أوقاف الأواني”. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن! وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام لا بُدّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضاً ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبراً للقلوب، جزى الله خيراً مَن تَسامَتْ هِمّته في الخير إلى مثل هذا”.

 

ثم تحدث عن أوقاف دمشق بإعجاب وانبهار، قال: “والأوقاف بدمشق لا تُحصَر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يُعطى لمَن يحجّ عن الرجل منهم كفايته. ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرةَ لأهلهنّ على تجهيزهنّ. ومنها أوقاف لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يُعطَون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم. ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها، لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبَيه يمرّ عليهما المترجّلون، ويمرّ الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير”.

 

وفي كتاب الشيخ مصطفى السباعي “من روائع حضارتنا” أخبار عن أوقاف دمشقية بلغت درجة من الرفاهية لم تعرفها البلدان الغربية المتقدمة إلا في العصور الأخيرة، فقد كان فيها وقف للقطط تأكل فيه وتنام، وكان المرج الأخضر (الأرض التي صارت موقعاً لمعرض دمشق الدولي منذ سنة 1954) وقفاً للحيوانات والخيول المسنّة العاجزة التي تركها أصحابها لعدم الانتفاع بها، فكانت تُترَك لترعى في المرج حتى تموت. وغير ذلك من أعاجيب الأوقاف التي استغرقت كل ما يخطر بالبال من رعاية للإنسان والحيوان.

 

وقف الكلاب الضالة

وقف الحيوانات السائمة

 

كنت أسمع وأنا صغير أن في الجنة باباً يقال له “باب الفرح” لا يدخل منه إلا من فرّح الصبيان، ثم كبرت وتعلمت فعلمت أنه ليس بحديث، لكني علمت ما هو خير من ذلك، علمت أنّ من كفل يتيماً صاحَبَ رسول الله في الجنة ولازمَه ملازمةَ الأصبعين المتجاورين من أصابع اليد الواحدة (أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي)، وعلمت أن “من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن” (أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وحسّنه الألباني في الصحيحة).

 

إذا كان تفريح الأطفال من أعظم المكرمات وأجلبها للأجر وال، وإذا كان من مفاخر السوريين في مواضي الأيام أن يقفوا الأوقاف العجيبة على الإنسان والحيوان، حتى

 

 

قرأت في ذكريات جدي علي الطنطاوي رحمه الله

وقف أجدادُنا الأموالَ الجِسام على كل عمل من أعمال الخير: على المساجد وعلى المدارس وعلى المشافي، وعلى أمور قد لا تخطر لأمثالنا على بال. هل سمعتم في الشام وقفاً للقطط الضالّة يُطعِمها ويسقيها؟ وللكلاب الشاردة المريضة يداويها ويؤويها؟ يُسمّي العامّة الأول >مدرسة القطاط< وهي في القيمرية الذي كان حيّ التجار في دمشق، والثاني في حيّ العمارة ويسمّونه اسماً غريباً هو >محكمة الكلاب<.

 

وللأيتام أوقاف لرعايتهم وتزويجهم، هذا ما ذكره ابن جبير في رحلته خلال وصفه لمدينة دمشق قال: “وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير، يأخذ منه المعلم لهم، وهذا أيضًا من أغرب ما يحدّث به من مفاخر هذه البلاد”[8].

بل وأوقفت أوقاف لإعارة الحليِّ في الأعراس؛ وهو وقف لإعارة الحُلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذه يتيسَّر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحُلَّة لائقة، ولعروسه أن تجلَّى في حُلَّة رائقة، حتى يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.

 ووقفاً للكلاب الشاردة يؤويها ويداويها ؛ سمي اسماً غريباً ” محكمة الكلاب ” ، وهو في حي ” العمارة” (3).

 

مثل (بيت القطط) الذي قال: إنه كان إلى عهد قريب موجودا في سوق (ساروجة) بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة 

ن غريب الأوقاف وأجملها قصر الفقراء، الذي عمره في ربوع الشام دمشق نور الدين محمود زنكي، فإنه لما رأى ذلك المنتزه مقصور على الأغنياء، عز عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة، فعمر القصر ووقف عليه قرية (داريّا) وهي أعظم ضياع الغوطة وأغناها

عظم أراضي ريف دمشق أوقاف، فقد كان الكثير من مُزارعي هذه البلدة إن لم أقل كلهم يوقفون بعض الأراضي أو بعض الأشجار على المارة بحيث يأكل المارُّ من الطريق. كانت كثير من حارات دمشق إن لم أقل كلها فيها سُبُلٌ سَبَّلَهَا من أراد أن يوقف وقفاً

أصل الوقف من السنة ما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي لِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْبِسْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» [النسائي والدارقطني].

 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صدقته في خلافته دعا نفراً من المهاجرين والأنصار فأحضرهم وأشهدهم على ذلك، فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحداً ذا مقدرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث ولا توهب) [أحكام الأوقاف بأبي بكر الخصاف]

http://abunour.net/index.php?pid=1154

 

كان بمَرَّاكش بالمغرب مؤسسة وقفية تُسمى «دار الدُّقة»[61]، وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللاتي يقع بينهن وأزواجهن نفور، فلهن أن يقمن آكلات شاربات إلى أن يزول ما بينهن وأزواجهن[62]!

[61] الدقة: التوابل المخلوطة بالملح، والمقصود هنا: الدار التي تَدُقُّ على يد الزوج الظالم المسيء لزوجه، حتى توقفه عند حدِّه.

[62] الحضارة العربية الإسلامية، شوقي أبو خليل، ص 336 – 337.

 

من آثار الرحمة في المجتمع الإسلامي
وقف الزوجات الغاضبات
وهو وقف يؤسَّس من رَيعه بيت، ويعدُّ فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من جفاء، وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.

https://www.facebook.com/kotobmamno3a/photos/a.502197759795018.130980.502191676462293/841952022486255/?type=1&theater

 

قال أبو القاسم ابن عساكر:

بادرْ إلى الخيرِ يا ذا اللبِّ مغتنمًا   ولا تكنْ مِن قليلِ العرفِ محتشما
واشكرْ لمولاك ما أولاك من نعمٍ   فالشكرُ يستوجبُ الإفضالَ والكرما
وارحمْ بقلبِك خلقَ الله وارعَهُم   فإنَّما يرحمُ الرحمنُ مَن رَحِما  (1)

وقال زين الدين العراقي:

إنْ كنتَ لا ترحمُ المسكينَ إن عَدِما   ولا الفقيرَ إذا يشكو لك العَدما
فكيف ترجو من الرحمنِ رحمتَه   وإنَّما يرحمُ الرحمنُ من رَحِما

 

قال مصطفى لطفي المنفلوطي: (إن الرَّحْمَة كلمة صغيرة.. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها، والشمس في حقيقتها.
لو تراحم النَّاس لما كان بينهم جائع، ولا مغبون، ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، ولاطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرَّحْمَة الشقاء من المجتمع، كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
أيُّها الإنسان ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها، ويعبث الهم بقلبها، فتؤثر الموت على الحياة.
ارحم الزوجة أم ولدك، وقعيدة بيتك، ومرآة نفسك، وخادمة فراشك؛ لأنَّها ضعيف؛ ولأنَّ الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك. 
ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه، ونفسه، فإنَّك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.
ارحم الجاهل، لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه، فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجرًا تربح فيه، ليكون من الخاسرين.
ارحم الحيوان؛ لأنَّه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع ويتوجع. 
ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها، ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إنَّ الله وهبها فضاء لا نهاية له، فلا تغتصبها حقها، فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها، أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها، لتسمع تغريدها فوق الأشجار، وفي الغابات، وعلى شواطئ الأنهار، وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيخيَّل إليك أنَّها أجمل من منظر الفلك الدائر، والكوكب السيَّار.
أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)  (2) .

 

البخاري

وعن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرحم الله من لا يرحم النَّاس))

 

مسلم من حديث أبي موسى الأشعري

صلى الله عليه وسلم هو نبي الرَّحْمَة كما وصف نفسه فقال: ((أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرَّحْمَة))

 

لَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: 11 – 18].
قال محمد الطاهر بن عاشور [30/361]: (خصَّ بالذِّكر من أوصاف المؤمنين، تواصيهم بالصَّبر، وتواصيهم بالمرحمة، لأنَّ ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان، فإنَّ الصَّبر ملاك الأعمال الصَّالحة كلِّها؛ لأنَّها لا تخلو من كبح الشَّهوة النَّفسانيَّة وذلك من الصَّبر. والمرحمة، ملاك صلاح الجماعة الإسلاميَّة قال تعالى: رُحَمَاء بَيْنَهُمْ[الفتح: 29]، والتَّواصي بالرَّحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضًا كناية عن اتِّصافهم بالمرحمة، لأنَّ من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها)

 

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

الجمع بين قضاء رمضان وسِتّ شوال

هل يجوز دمج قضاء رمضان بالأيام الستّة من شوال؟

مجاهد مأمون ديرانية

هذا السؤال يهمّ كل من أفطر في رمضان من أصحاب الأعذار، إلا أنه يهمّ النساء أكثرَ من غيرهن، فالمرأة تُضطر غالباً إلى الإفطار أياماً في رمضان، ثم تحبّ أن تصوم ستّاً من شوال فتَحار: فهل يجوز ويجزئ أن تصومها بنيّة القضاء والنافلة معاً أم لا يجزئ ولا يجوز؟ فيما يأتي جواب مفصل عن هذه المسألة، ومن شاء الخلاصة بلا تفصيل فهي في آخر المقالة.

-1-

هذه من المسائل الفقهية المشهورة باسم إشراك النية أو تشريكها، بمعنى أداء العمل الواحد بنيّتين، فتُجمَع عبادةٌ مع عبادة بعمل واحد، أو يُجمَع فيه بين العبادة والمنفعة الدنيوية.

وهي لا تجوز على إطلاقها، فلا يمكن أن يصلّي المرء أربع ركعات ينوي بها صلاة الظهر والعصر معاً، أو صلاة الظهر وراتبتَها القَبليّة أو البَعدية. على أنّ لها صوراً أباحها الفقهاء الذين قبلوا هذا المبدأ من حيث الأصل (باستثناء الظاهرية الذين تشددوا فيه، فلم يبيحوا منه غير التشريك بين الحج والعمرة لخصوص النص). وللدكتور عمر سليمان الأشقر رحمه الله بحث نفيس مفصل في هذه المسألة بسَطَه في كتابه “مقاصد المكلّفين”، ولا سيما في جزئه الثاني “النيات في العبادات”، فليرجع إليه من كان مهتماً بها من القراء.

-2-

التشريك الجائز بين العبادة والمنفعة الدنيوية يتحقق في الحج بلا خلاف لنص الآية: {وأذّنْ في الناس بالحج… ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات}، قال ابن عباس وغيره: هي منافع الدنيا والآخرة، فأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والربح والتجارات. ولقوله تعالى: {ليس عليكم جُناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}، وابتغاء الفضل في القرآن هو طلب التجارة: {فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}.

من النماذج التي أجازها الفقهاء للتشريك الذي يجمع بين عبادة ومنفعة دنيوية: الحج والتجارة على ما رأينا آنفاً، والوضوء بنيّة الطهارة للصلاة والتبرد من الحر، والغُسل للطهارة من الحدث الأكبر وللنظافة، والصيام تحقيقاً للعبادة وابتغاءً للصحّة، والطواف بنيّة العبادة والرياضة. ومنها الصدقة والإنفاق على الأهل؛ في البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عمرو: “إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة”.

-3-

أما النوع الثاني، أي تشريك النية بين عبادتين، فأشهر صوره الطواف الواحد والسعي الواحد لمن حجّ قارناً بين الحج والعمرة، لحديث جابر: “قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة فطاف لهما طوافاً واحداً”، وحديث مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: “يسعك طوافك لحجك وعمرتك”.

ومن أنواع التشريك الجائز الجمعُ بين الصدقة وصلة الرحم (للحديث الصحيح الذي أخرجه النسائي: الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان، صدقة وصلة). ومنها إدخال الوضوء في الغُسل، والجمع بين غسل الجمعة وغسل الجنابة بغسل واحد، وصلاة ركعتين بنيّة تحية المسجد والراتبة القَبلية، وصلاة ركعتين بنيّة النافلة والاستخارة، ومنها اجتماع عقيقة وأضحية، ومنها اجتماع غسل الحيض والجنابة، في “المقنع”: “إذا أجنبت المرأة ثم حاضت (أي قبل أن تغتسل) يكون الغسل الواحد لهما جميعاً إذا نوتهما به”.

فهل تدخل في التشريك الجائز المسألةُ التي نبحثها اليوم: صيام ستة أيام بنيّة القضاء وبنيّة ستة شوال؟

-4-

المتتبع للحالات التي أباح الفقهاء فيها تشريك النية بالعبادات يجد أنهم وضعوا له ضابطاً مهماً، هو أن تكون إحدى العبادتين غيرَ مقصودة لذاتها، كتحية المسجد وصيام يوم عرفة وصلاة الاستخارة، الأولى نشأت الحاجةُ إليها من الاقتران بالمكان والثانية من الاقتران بالزمان والثالثة من الاقتران بالعمل الذي يأتي بعدها، ولم تكن أيٌّ منها مطلوبةً لولا ذلك، فنقول إنها عبادات غير مقصودة، ويمكن تشريك أي منها بالنيّة مع عبادة مقصودة لذاتها، كصيام يوم عرفة أو يوم عاشوراء مع قضاء يوم من رمضان. بل يمكن تشريك ثلاث عبادات معاً في هذه الحالة، فيجوز أن نصلي ركعتين بنيّة تحية المسجد وصلاة الاستخارة والسنة القَبليّة (كما في فتوى مشهورة للشيخ ابن عثيمين رحمه الله).

أما إذا كانت العبادتان مقصودتين لذاتهما (كالفريضتين أو كالفريضة وراتبتها) فلا يجوز تشريك النية بينهما، فلا يمكن للمصلي أن يصلي أربع ركعات بنيّة الظهر والعصر معاً أو بنيّة الظهر وراتبتها على سبيل المثال، وكذلك لا يمكن أن يصوم يوماً بنيّة الكفارة والقضاء أو النذر والقضاء، لأن كلاً من هذه العبادات الثلاث مقصودة لذاتها. فماذا عن الجمع بين قضاء رمضان وصيام الست من شوال؟

-5-

من المعلوم من الدين بالضرورة أن صيام رمضان (ومثله قضاؤه) مقصود لذاته، والظاهر أن للأيام الستة من شوال الحكم نفسه، لأن القصد من إلحاقها برمضان هو الحصول على أجر صيام الدهر، أخذاً من قاعدة: “الحسنة بعشر أمثالها”. رمضان بعشرة أشهر وستة شوال بشهرين، فهذه اثنا عشر شهراً، وهو ما أوضحه حديث ثوبان الذي أخرجه أحمد والنسائي وصحّحه الألباني في صحيح الترغيب: “صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة”. ومنه الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره: “من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر”.

وخالف جماعةٌ من فقهاء الشافعية، فنصّوا على أن إشراك النية بين قضاء رمضان وستة شوال جائز ويحصل به أجر الاثنين معاً. قال في حاشية الشرقاوي على شرح التحرير: “لو صام فيه أياماً (أي في شوال) قضاءً عن رمضان حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم في ستة أيام من شوال”. وفي فتاوى الشهاب الرملي أنه سئل عن شخص عليه صوم من رمضان فقضاه في شوال، هل يحصل له قضاء رمضان وثواب ستة أيام من شوال؟ فأجاب بأنه “يحصل له بصومه ثواب النفل والفرض، لأن المقصود وجود الصوم في شوال”. ووافقه ابن حجر الهيثمي، ورُوي مثله عن العلامة الخرشي من المالكية في شرحه لمختصر سيدي خليل.

إلا أنهم قالوا إن من صنع ذلك لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على التطوع المطلوب، قال الرملي في “نهاية المحتاج”: “ولو صام في شوال قضاء أو نذراً حصل له ثواب تطوعها، كما أفتى به الوالد رحمه الله تبعاً للبارزي والأصفوني والناشري والفقيه علي بن صالح الحضرمي وغيرهم، لكن لا يحصل له الثواب الكامل المرتَّب على المطلوب”. وللألباني رأي قريب ذكره في تسجيلات سلسلة الهدى والنور، قال: “صيام الست من شوال لمن عليه قضاء مَراتبُ، أعلاها أن يصوم القضاء ثم يصوم الستّ، ودونها أن يصوم القضاء فيُدخل فيه نيّة الست من شوال، وفي هذه الحالة يحصل عشر حسنات عن الفرض وحسنة واحدة عن نية صيام الأيام الستة”.

-6-

الخلاصة: يكاد العلماء يتفقون على أن صيام أيام من شوال عبادة مقصودة لذاتها، وهي ستة أيام لكي يحصل بصيامها ثواب شهرين كما في حديث ثوبان، فمن أراد الأفضل فليجتهد بصيام ستة أيام زائدة على قضاء ما فاته من رمضان (ولا يضرّ تقديمها على القضاء وتأخيره لما بعد شوال على الصحيح)، ومن شَقّ عليه أن يقضي الأيام التي فاتته ويصوم ستّاً فوقها فليس عليه بأس أن يُشرك النية، فيجمع الصيامين معاً في ستة أيام، ينويها قضاءً لما أفطره من رمضان وستة أيامٍ فضيلةٍ من شوال.

تقبل الله منا ومنكم الصيام وصالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الحسبة التي ظلمها الغُلاة

الحسبة التي ظلمها الغُلاة

مجاهد مأمون ديرانية

“نحيطكم علماً أنه سيكون انتشار أمني واسع في أرجاء مدينة إدلب وسيُحال زوج كل مخالفة للباس الشرعي للقضاء”. هذا ما نشره أحد إعلاميّي جبهة النصرة بعد الحادثة السخيفة التي شهدتها مدينة إدلب قبل يومين، حينما اصطدمت بعض الحمقاوات اللاتي يعملن باسم “الحسبة” في إدلب ببعض نساء المدينة بحجّة عدم التزامهنّ بالزي الشرعي، بمعنى: كشف الوجه وارتداء لباس ملوّن سوى السواد.

 

أول ما يخطر ببال من يقرأ هذا الهُراء هو أن إدلب تتحول بسرعة إلى رقة ثانية، ولهذا التحول سبب مفهوم، فبعدما فقدت “القاعدة” عاصمتَها في الرقة (أو أوشكت أن تفقدها) فإنها بحاجة إلى عاصمة جديدة، وكما حرقوا الرقة سيحرقون إدلب، فكل شيء عندهم يهون في سبيل تحقيق أحلامهم الموهومة المجنونة.

*   *   *

بعيداً عن “إدلب على خُطى الرقة وجبهة النصرة على خُطى داعش” يبرز السؤال: إلى متى يستمر هؤلاء الجهلة في تشويه الدين؟

 

لقد أساؤوا بجهلهم وحمقهم إلى الإسلام وإلى الحسبة التي هي من مفاخر الحضارة الإسلامية، حينما جعلوا عملها إجبار المحجبات على تغطية وجوههنّ وإكراه أصحاب المتاجر على قفل متاجرهم وقت الصلاة ومصادرة أقراص الموسيقى وعلب الدخان من الأسواق. وكل ذلك من المسائل الفرعية الخلافية، فوجه المرأة ليس عورة واجبة الستر عند جمهور علماء الأمة، والصلاة جماعةً في المساجد خيرٌ من الإفراد لكن صلاة الفرد في دكانه جائزة بلا خلاف، والموسيقى والدخان من المسائل الخلافية التي عجزت عن حسمها القرون الطوال.

 

ليست المأساة في أن هؤلاء الجهلة تركوا عظائم الأمور، كالدم المعصوم الذي أهرقته جماعتهم في أرضنا أنهاراً بلا حساب، ثم اشتغلوا بالشكليات والخلافيات، بل المأساة الأكبر أنهم شوّهوا مفهوم الحسبة، فظن العامة أنها هي هذه الممارسات السخيفة التي أرهقوا بها الناس وأثاروا النزاعات.

*   *   *

يتصور غلمان القاعدة وداعش أن الحسبة هي حرق علب الدخان وفرض النقاب على النسوان، ويجهلون أنها نظام كامل لحماية المجتمع من الاستغلال الاقتصادي والفساد الأخلاقي وصيانته عن المحرمات والفواحش الظاهرة (المحرمات القطعية التي يجاهر بها أصحابها ولا يستَخْفون).

 

لعل أول عمل احتسابي معروف في الإسلام كان من باب “حماية المستهلك”، حينما مرّ النبي عليه الصلاة والسلام في السوق بتاجر يعرض كومة من تمر (صُبْرة طعام كما في حديث أبي هريرة) فأدخل فيها يده فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله (أي أنه تبلل بالمطر) فقال: “أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غَشّ فليس مني”.

 

وكان عمر يمارس ذلك النوع من الاحتساب بنفسه، فيمرّ في السوق يراقب المكاييل والموازين ويأمر بإماطة الأذى عن الطريق، ويحمل معه دِرّته الشهيرة فيزجر بها المُغالين والغشاشين، بل إنه خفق بها ذات يوم جَمّالاً أوقر بعيره بالأثقال وقال له: لقد حمّلت جملك ما لا يطيق. فعلمنا أن الاحتساب يعمّ حتى يشمل حماية حقوق الحيوان، ولا يقتصر على حماية حقوق المجتمع الآدمي فحسب!

 

ثم صار الاحتساب عملاً منظماً زمنَ العباسيين، فكان المحتسب مسؤولاً عن مراقبة الموازين والمكاييل ومنع الغش والاحتكار في الأسواق، والإشراف على نظافة الشوارع والمساجد والبيمارستانات (المستشفيات)، ونظافة أوعية السقّائين والخبازين والقصّابين. وكان يضبط أصحاب الحِرَف لئلا يغشّوا الناس؛ روى ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” أن المقتدر العباسي أمر رئيس الأطباء، سنان بن ثابت، بامتحان جميع أطباء بغداد، وكانوا قريباً من تسعمئة، وأمر المحتسبَ أن يمنع أي طبيب من العمل إلا بعد نجاحه في الامتحان. وفي “نفح الطبيب” أن المحتسب في الأندلس كان يسعّر السلع الأساسية، كالخبز واللحم، ويأمر البيّاعين بأن يضعوا عليها أوراقاً بأسعارها، فمن باع بأكثر من السعر الرسمي استدعاه وعاقبه. وعدّ ابن خلدون في المقدمة من أعمال المحتسب منعَ الباعة من تضييق الطرقات ببضائعهم والحمالين وأصحاب السفن من زيادة الأحمال، والحكمَ على أصحاب المباني المتداعية بهدمها وإزالة ما يُتوقّع من ضررها على السابلة (المشاة).

 

هذا فضلاً عن منع الجهر بالفواحش والمحرمات. وقد بلغ من هيبة المحتسب وقوّته أنه يعاقب من يتجاوز القانون ولو كان من القادة والأمراء؛ روى نظام الملك في كتاب “سِيَر الملوك” (سياست نامه) أن علي بن نوشتكين، وهو أحد كبار القادة زمن السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقي، أنه شوهد سكرانَ في السوق وهو في موكب عظيم من الفرسان والأتباع، فأخذه المحتسب وطرحه على الأرض وجلده أربعين جلدة، والعسكر والحاشية ينظرون ولا يجرؤون على مساعدته وإنقاذه.

*   *   *

يا جبهة النصرة: اعرفوا ما هي الحسبة قبل أن تطلقوا الجَهَلة الغِلاظ القساة من محتسبيكم ومحتسباتكم على الناس. حاسبوا مجرميكم وأمنييكم واجلدوهم بين أيدي الناس في الأسواق، ثم أرونا بعد ذلك مراجلكم على النسوان.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق