التجديد والاجتهاد في الفقه السياسي

التجديد والاجتهاد في الفقه السياسي

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

من المعروف أنّ الفقه إنما هو اجتهاد بشري مَبنيّ على فهم النصوص الشرعية وتكييفها مع الواقع، فهو تفاعل بين ثلاثة عناصر: “النص” و”فهم الفقيه” و”طبيعة الواقع”، وإذا تغير أيٌّ من هذه الثلاثة فيمكن للحكم الفقهي أن يتغير. فأما النصوص فإنها أصل ثابت لا يتغير، وأما الفهم فإنه يتغير بتغيّر الفقيه الذي يستنبط الحكمَ من النص، أو بتغيّر طريقة استقرائه واستنباطه، وكذلك يتغير الواقع بين حين وحين. ومن هنا قرر الفقهاء أن الفتوى تتغير بتغير الحال والزمان والمكان.

من أجل ذلك كان من واجبات العلماء في كل عصر أن يعيدوا قراءة الواقع المتغير، وأن يجدّدوا دراسة النصوص الشرعية في ضوء الواقع الجديد، ثم يجتهدوا لتقديم أحكام جديدة للواقع المستجد، أو يجتهدوا في تعديل الأحكام القديمة لتناسب الواقع المتغير. وقد غدا هذا الاجتهاد من أشد الضرورات في الزمان الأخير بسبب التسارع الهائل في تغيّر الواقع.

-2-

ولئن كان التجديد والاجتهاد مندوبَين في أبواب الفقه كلها فإنهما يكادان يكونان واجباً متعيّناً في باب السياسة الشرعية على التخصيص، وذلك لثلاثة أسباب على الأقل؛ أولها أن أكثر أحكام هذا الباب بُنِيَ على واقع سياسي عاشه الأقدمون ولم يعد كثيرٌ منه اليومَ كما كان.

الثاني: أن هذا الباب يكاد يكون أقلّ أبواب الفقه اعتماداً على النصوص، فهو قائم في معظمه على مجموعة من المبادئ العامة التي يتسع فيها مجال الاجتهاد، وعلى اجتهادات وممارسات تاريخية للصحابة والخلفاء في العصر الراشدي، وهي بحاجة إلى تحرير لتحديد: ما الذي يُعتبَر منها تشريعاً بإجماع الصحابة، وما الذي يُعتبر اجتهاداً خاصاً بوقته وظروفه؟ أو كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين: “هذه السياسة التي ساسوا بها الأمة هي من تأويل القرآن والسنّة، ولكنْ هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم هي من السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زماناً ومكاناً؟”

السبب الثالث (ولعله الأهم بإطلاق) هو أن أكثر الأحكام في باب السياسة الشرعية دُوِّنَت في عصور التغلب والملك العَضوض التي فقد فيها العلماءُ الحريةَ الفكرية وعاشوا تحت سيوف السلاطين، فنشأ من ذلك خوفٌ وضعف ترك أثرَه السلبي في كثير من أحكام هذا الباب، التي كُتبت بما يوافق الواقعَ ويبحث له عن المبررات الشرعية، وليس بما يوافق المثالَ الإسلامي العالي الذي كان ينبغي أن يكون هو الأساسَ والمقياس.

-3-

إن الواقع الذي تعيشه الأمة اليومَ غيرُ مسبوق، من حيث طبيعته السياسية وقوانينه الدولية، ومن حيث حالة الأمة المستضعَفة وفقدانها لكياناتها السياسية المستقلة وللدولة الإسلامية الجامعة. هذا الواقع الجديد يحتاج إلى إعادة تعريف كثير من المصطلحات القديمة، وإلى تعديل الأحكام المتعلقة بالأحوال المتغيرة، واستنباط أحكام جديدة خاصة بالأحوال الحادثة.

عندما نتأمل التعريفات القديمة نجد أن كثيراً منها لم يعد صالحاً في عالم اليوم. ولن أحاول الاستقصاء فإنه يطول، بل أكتفي بضرب مثال واحد يُغني عن سواه، وهو تقسيم العالَم إلى “دار الإسلام” و”دار الحرب” اللتين بُنيَ على تعريفهما كثيرٌ من الأحكام.

إن دار الحرب التي يتحدث عنها الأقدمون لم تعد موجودةً اليومَ بصفتها التي عرَفوها وعرّفوها، ودار الإسلام لم تعد دارَ إسلام بالمعنى القديم، لأن من شروطها أن يكون المسلم فيها آمناً على نفسه ودينه، كما أن من أظهر خصائص دار الكفر أن المسلم فيها يخشى على نفسه ودينه. من أجل ذلك كره الفقهاء للمسلم أن يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار لكيلا يُهان مصحفه، وكرهوا له المُقامَ فيها خوفاً على سلامته ولئلا يُكرَه على ترك دينه، إلى غير ذلك من أحكام مبسوطة في مواضعها.

ثم دار الزمان نصف دَورة، فصار المسلمون أكثرَ أمناً في بلاد الكفار منهم في بلادهم، وصارت الحرية الدينية في كثير من تلك البلاد أوفرَ منها في كثير من بلاد المسلمين، فوجدنا أن الملايين من المسلمين هربوا بدينهم من بلادهم إلى تلك البلاد، أي أنها صارت “دارَ أمان” وصارت بلدانُنا “دارَ خوف”. فهل يُعقَل أن يستمر وصف تلك الدول بدار الحرب مع كل ما يترتب على هذا التوصيف، اعتماداً على التصنيف القديم: “دار الحرب هي الدار التي تجري فيها أحكام الكفر ويكون السلطان فيها للكفار، ودار الإسلام هي الدار التي تجري فيها أحكام الإسلام وتكون القوة فيها للمسلمين”؟

-4-

إن كثيراً من أحكام السياسة الشرعية بحاجة إلى مراجعة وتجديد، لكن هذا جزء يسير من الإصلاح المطلوب في هذا الباب فحسب، فهو يحتاج -بعدُ- إلى التكميل والترميم، لأن المفقودَ فيه أكثرُ من الموجود، حتى على صورته القديمة التي لم تعد صالحة في عالم اليوم.

إننا نلاحظ -عندما نقارن باب السياسة الشرعية بأبواب العبادات والمعاملات- تقزّمَ باب السياسة مقارَنةً بتضخّم سائر أبواب الفقه. سوف نجد أن أحكام العبادات والمعاملات مفصَّلةٌ تفصيلاً شديداً لا يكاد يسمح بأدنى نقص أو خطأ، ثم نفاجَأ باختزال الكثير من مسائل السياسة الشرعية وخلوّها من التفاصيل.

يكفي أن نقرأ ما ورد في باب البيوع على سبيل المثال: العاقد والعقد والمعقود عليه والإيجاب والقبول واتحاد مجلس العقد وشروط النفاذ وشروط صحة البيع وشروط لزوم البيع والبيع الباطل والفاسد… إلى غير ذلك من الفروع وفروع الفروع من دقائق المسائل وتفصيلاتها. فإذا انتقلنا إلى باب الإمامة وسائر أبواب السياسة الشرعية فلن نجد معشار تلك التفصيلات والتفريعات، وسوف نستنتج -حَزَانَى آسفين- أن علماءنا اهتموا ببيع بيت أو دابّة (فما دونهما) أكثرَ من اهتمامهم بمصير الأمة كلها بما فيها من ملايين، بل مئات الملايين من المسلمين!

-5-

إننا نواجه اليوم أسئلة كثيرة لا يجيب عنها فقهُنا القديم، ولا بدّ لها من اجتهاد وتجديد. ففي نظام الحكم تواجهنا أسئلة من نوع: كيف يُختار الإمام؟ هل تستمر ولايته حتى الموت أم تُحدَّد بمدة زمنية؟ كيف نطبق مبدأ الشورى في الحكم؟ كيف نختار أهل الحل والعقد؟ ماذا عن الأحزاب السياسية وتداول السلطة؟ كيف نضمن عدالة القضاء واستقلاله ونحميه من هيمنة السلطة التنفيذية؟

وفي الجهاد نحتاج إلى مراجعة شاملة لأحكام جهاد الطلب، ونحن بحاجة أيضاً إلى مراجعة أحكام الهدنة والعهود والمواثيق والاسترقاق وعقد الذمة وأحكام الجزية والأحكام المتعلقة بدار الحرب على العموم. أما الأحكام المتعلقة بإمامة المتغلب فأحسبُ أنها ينبغي حذفها بكاملها، من الباب إلى المحراب، والاستعاضة عنها بباب جديد هو “فقه الثورة” (كما سمّاه الفقيه المقاصدي ذو الاجتهادات الواسعة والبحث التجديدي في الفقه السياسي، الدكتور أحمد الريسوني).

ثم إن من أكبر التحديات التي تواجه الفقه السياسي الإسلامي المعاصر التعامل مع حالة الدولة القُطْرية التي وُلدت في العصر الأخير ولم تكن في الأزمنة السابقة، فقد نشأت معها مشكلات لم تكن في الماضي، كحالة المواطَنة، والحقوق الدينية والثقافية المتساوية للأكثريات والأقليات، بما فيها حرية العبادة وحرية الدعوة. مع ملاحظة أن أيّ تقنين لوضع الأقليات غير المسلمة في بلدان المسلمين لا بدّ أن ينعكس على وضع الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، وهنا نحتاج إلى استعمال مكثف لفقه المصالح والموازنات لاختيار ما يصلح للأمة، ليس في بلدان المسلمين فحسب بل في العالم كله.

-6-

المحزن أن أكثر الذين يكتبون في السياسة الشرعية اليوم ما يزالون عالة على الماوردي، صاحب كتاب “الأحكام السلطانية” الشهير، مع أنه كتبه في ظروف سياسية عصيبة تأثر بها واضطُرّ إلى مسايرتها، فقد عانت الخلافة العباسية في زمانه من الضعف والتفكك وظهور الدويلات المستقلة وتسلط البويهيين الشيعة على مركز الحكم في بغداد، فاضطر إلى مجاراة ذلك الواقع الكئيب فيما كتبه عن ولاية العهد وشروط الوزارة وإمارة الإستيلاء، مسوِّغاً أموراً واقعة لم يجد قدرةً على مغالبتها ومدافعتها. وماذا يستطيع أن يكتب مَن يعيش تحت سلطان تلك الدولة؟ إنه لن يملك من الجرأة أكثر مما سيملكه أي فقيه سياسي يكتب في السياسة الشرعية وهو تحت حكم الأسد في سوريا أو القذافي في ليبيا أو صدام حسين في العراق.

إننا نقبل اليوم ما كتبه الأقدمون في السياسة الشرعية بلا مساءلة، ويرى كثيرون أن استشهادهم بآراء الماوردي وأبي يعلى والجويني وابن تيمية والآمدي وابن خلدون وابن فرحون في السياسة الشرعية كافٍ لإقامة الحجة، على الرغم من أن أولئك الفقهاء كانوا مجتهدين، وأن أكثر أحكامهم اجتهاد مطلَق لا يكاد يستند إلى نصّ صريح صحيح تصحّ المحاججة به والركون إليه، وأن في بعض ما اختاروه غرائب لا يقبلها عقل، كقولهم أن الواحد يكفي لعقد الإمامة العظمى، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري والباقلاني وابن حزم وغيرهم من الفقهاء، حتى قال القلقشندي في “مآثر الأناقة”: “لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى”.

أي أن أيّ رجل عَدْل من قرّاء هذه المقالة يملك أن يبايع رجلاً يتوسّم فيه الخير فيصبح إماماً لألف مليون مسلم! أرأيتم أعجبَ من هذا الرأي وأبعدَه عن الصواب!

-7-

إن الواجب الذي يحمله علماء الأمة اليوم عظيم، فإن عليهم أن يَنْقضوا باب السياسة الشرعية كاملاً ثم يعيدوا بناءه على أساس صحيح، مُهتدين بالنصوص الشحيحة والقواعد الكلّية والمقاصد العامة للشريعة، لأن أكثر ما دوّنه الفقهاء في هذا الباب دوّنوه -كما قلت آنفاً- في عصور التغلب والمُلْك العضوض، في ظروف سياسية وأمنيّة جعلتهم أَسارَى للواقع العليل. ولأن أكثر مسائل هذا الباب ظنّية مَبنيّة على النظر والاجتهاد، وهو أمر قرره إمام الحرمين الجويني في “الغياثي” فقال: “إن معظم مسائل الإمامة عَرِيَّة عن مسلك القطع خليَّة عن مدارك اليقين”، وأكده الغزالي في “المستظهري” فقال: “أكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يُحكَم فيها بموجب الرأى الأغلب”.

لقد وقعَت في هذه المشكلة أجيالٌ سابقة فقابلَتها بجرأة وشجاعة وبحثت عن الأجوبة الجديدة للمسائل الجديدة، فها هو الجويني يفترض في كتابه العظيم “غياث الأمم” حالة شاذة ويضع لها الحلول، وهي حالة انعدام الإمام وحالة غياب الأئمة المجتهدين وحالة خلوّ الزمان عن أصول الشريعة. وها هو ابن تيمية يبحث حالة البلدان الإسلامية التي احتلها التتار الكفار وحكموها بغير شريعة الإسلام، فينتهي إلى أنها ليست دار إسلام وليست دار حرب، فلا يصحّ أن نطبق عليها أياً من أحكامهما، بل هي صنف ثالث يجمع بين الصنفين.

وما هذا وهذا إلا مثالان من عشرات، بل مئات من الحالات التي تحلّى فيها فقهاؤنا الأقدمون بالجرأة فاشتقوا أحكاماً جديدة لنوازل حادثات، ولو شئت الاستقصاء لطال المقام. فإذا كان اجتهاد أولئك الفقهاء الكبار مقبولاً عندنا اليوم فمِن باب أَوْلى أن يُقبَل اجتهادُ غيرهم من علماء العصر الذين يدركون ظروفه وملابساته، وهي من الحادثات والنوازل التي لم تكن في الأزمنة الماضية. فهل نجد في علماء العصر ومَجَامع الفقه والفتوى من يتصدّر لهذه المهمة الجليلة النبيلة، أم سيبقى فقهنا السياسي المعاصر عالة على فقهاء الزمان القديم؟

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , | تعليق واحد

حرية الاعتداء على الله

حرية الاعتداء على الله

مجاهد مأمون ديرانية


قبل أيام قليلة نشرت مجلة تنسب نفسها إلى الحرية مقالة فيها تطاول على الذات الإلهية، وفيها ما لا يُقبَل ولا يُحتمَل من الفجور والإسفاف.

والحرية هي الجوهرة التي ثار السوريون من أجلها ودفعوا في سبيلها كرائم التضحيات، لكنْ هل تبيح لأي واحد من الناس أن يصنع ما يشاء وأن يكتب ما يريد؟ هل يظن أصحاب هذه المجلة أن الحرية تمنحهم الحق في قول ما يشاؤون بلا رقيب ولا حسيب، وأنها تجيز لهم أن يؤذوا الناس في مقدّساتهم وفي أعزّ ما يملكون؟

ماذا يقول كاتب المقالة لو قلت له: إني حرٌّ يا هذا، وقد خطر ببالي أن أهجو أمك وأباك، فلعنة الله على أمك وأبيك؟ فإن ساءه هجائي سألته: كم لك من الإخوة والأخوات؟ فليكونوا عشرين. كيف تسلبني الحق في أن أسبّ أبا عشرين وتمنح نفسك الحق بأن تعتدي على الإله الذي يعبده ويقدسه ستة آلاف مليون إنسان؟

*   *   *

مَن شاء أن يؤمن بالله فليؤمن بالله ومن شاء أن يكفر فليكفر، هذه هي حرية الاختيار في الدنيا التي يترتب عليها الحساب يوم الحساب، أما التطاول على الله فليس حرية، إنه عدوان فظيع يستحق المحاكمة أمام القانون. فكما يحمي القانونُ أفرادَ الناس من عدوان أفراد الناس فإن عليه أن يحمي عشرين مليون سوري من عبث عشرين صعلوكاً لا يقيمون وزناً لمشاعر جمهور الأمة، فيعتدون على الإله الذي يعبده ويقدسه ملايين السوريين، مسلمين وغير مسلمين.

إن الحرية الحقيقية التي نريدها ونسعى إليها ونقاتل دونها ونموت من أجلها هي الحرية المبصرة العاقلة، وكل حرية في الدنيا يقيدها العقل، إلا حرية المجانين. الحرية لا تبيح لصاحبها أن يمدّ يدَه إلى أملاك الآخرين لأن حريته في أخذ ما يملكون تقيّدها حريّتُهم في امتلاك ما يملكون، ولا تبيح له أن يؤذي كرامة ومشاعر غيره لأن حريته في إيذائهم تقيّدها حريّتُهم في حماية ما يحبون وتنزيه ما يقدّسون.

*   *   *

يقول جون ديوي، وهو أحد كبار فلاسفة التربية الغربيين: “تبدأ أسوأ متاعب الإنسان عندما يكون في استطاعته أن يفعل ما يشاء”. هذا التعبير الدقيق يلخص المسألة، فالإنسان الحر هو الذي يملك الاختيار ويحسن الاختيار، ليس هو فاقد الاختيار أصلاً، ولا هو الذي يسيء الحق في الاختيار فيسطو على حقوق الآخرين ويعتدي على ممتلكات الناس ويؤذي مشاعر الناس.

نعم، نحن نريد الحرية وسوف نسعى إليها ونحرص عليها ونضحي في سبيلها، لكنها لن تكون أبداً حرية عمياء، بل هي الحرية المبصرة المنصفة العاقلة. ألا لعنة الله على حرية تسمح لثلة من الصعاليك بالتطاول على إله العالمين.

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

تحية لأصحاب الخوذ البيضاء

03-03-17

تحية إكبار وعرفان
لأبطال الثورة المجهولين

مجاهد مأمون ديرانية

ليسوا حزباً يسعى إلى السلطة، وليسوا فصيلاً يحرص على النفوذ. لم يبحثوا عن المكاسب والمناصب والأوسمة والمكافآت، ولم يصدّعوا صف الثورة ولم يفرّقوا الناس بالرايات والشعارات، وليست لهم أسماء يُعرَفون بها فيُشكَرون.

إنهم أبطال الثورة المجهولون الذين يقتحمون الخطر حين يفرّ منه الناس، الذين يتعبون ليرتاح الناس، ويجازفون ليأمن الناس، ويموتون ليحيا الناس. إنهم الذين يضعون أرواحهم على أكفّهم ليعيش الناس مطمئنين آمنين.

ليست فرحتهم الكبرى بالمراتب العليّة ولا بالرواتب السخيّة ولا بالجوائز السنيّة؛ إن أعظم لحظات فرحهم في الحياة هي حين يستخرجون من تحت الردم صغيراً فيه حياة، حين يردّون إلى الأم المكلومة وليدَها الصغير، أو يجمعون الأبَ المفجوع بأولاده وأمّ الأولاد بعدما ظنّ أنْ لا لقاء.

أولئك هم أبطال الثورة المجهولون الذين استحقوا اليوم التشريف والإكرام، وأنَّى نوفيهم حقهم في يومٍ واحد وهُم يجودون بالنفس والنفيس في كل يوم من الأيام؟ حَقٌّ على كل سوري حرّ أن يفخر بهؤلاء الأبطال العِظام، وأن يهتف مع الهاتفين: بوركتم يا أصحاب القبعات البيض، لكم منا كل الشكر والتقدير والعرفان، جزاكم ربنا عنا خيرَ الجزاء.

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

ما هي “السلفيّة الجهاديّة”؟

ما هي “السلفيّة الجهاديّة”؟

مجاهد مأمون ديرانية

يُستعمَل هذا التعبير الاصطلاحي للدلالة على مدرسة إسلامية معاصرة تَنسب نفسها إلى اعتقاد السلف وتتبنى الجهادَ والعملَ المسلح طريقةً وحيدة للتغيير، ويُعتبَر تنظيمُ “القاعدة” أكبرَ تجلّياتها في الوقت الحاضر. كثيرون لا يعرفون عن السلفية الجهادية إلا الاسم، فكيف وُلدت وما هي أهم صفاتها؟ هذا هو الجواب بإيجاز.

-1-

أول ظهور علني لهذه المدرسة كان في مصر في نهاية سبعينيات القرن الماضي، عندما تكونت جماعة “الجهاد الإسلامي” باندماج مجموعتين جهاديتين وُلدتا قبل ذلك بسنوات في القاهرة والصعيد. في عام 1980 عرف الناس أصولَ الجماعة ومنهجَها عندما نشر منظّرُها وأميرُها محمد عبد السلام فرج كتابَ “الفريضة الغائبة”، وفي السنة التالية اغتالت إحدى خلاياها الرئيسَ السادات في حادثة المِنَصّة المشهورة، وعلى إثرها أُعدم فرج مع خالد الإسلامبولي وآخرين. في أواسط الثمانينيات انتقل بعض قادة الجماعة إلى أفغانستان، وكان من ضمنهم أيمن الظواهري، ومن هناك انطلقت إلى العالمية بعد تأسيس تنظيم “القاعدة” سنة 1988 ثم بعد الإعلان عن “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين” بعد ذلك بعشر سنوات.

-2-

ترتبط بالتنظيم فروعٌ مباشرة في عدد من البلدان (كاليمن والمغرب العربي) وجماعات جهادية محلية في بلدان أخرى، كجماعة “أنصار الشريعة” في تونس و”أنصار بيت المقدس” في سيناء، ومنها جماعة “جند أنصار الله” التي اصطدمت مع حركة حماس في رفح بقطاع غزة عام 2009. أما في سوريا فقد كانت “جبهة النصرة” هي فرع القاعدة الرسمي إلى وقت قريب، وبعد فك الارتباط الظاهري بالقاعدة انشقّ بعض قادة النصرة (وأكثرهم أردنيون) وبدؤوا بالتخطيط لإنشاء فرع سوري جديد للقاعدة ربما حمل اسم “طالبان الشام”. وتنظيم القاعدة هو الحاضنة التي وُلدت وترعرعت فيها داعش، فهي التطور الطبيعي لتنظيم دولة العراق الإسلامية، ودولة العراق هي النسخة الموسعة والمطورة من تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

-3-

بذت هذه المدرسة أكثرَ علماء العصر، وهي تُفسّق وتكفّر كثيراً منهم ولا تتلقى إلا من علمائها الذين حصلوا على التزكية والقبول، وهم قلّة قليلة من علماء العالم الإسلامي، وأكثر علمهم محصور غالباً بمسائل الاعتقاد والجهاد والسياسة الشرعية. وتمتاز السلفية الجهادية بالتشدد والتعصب ورفض التدرج في الأحكام، وبالظاهرية الشديدة وبالشدة على المخالفين واحتكار فهم وتمثيل الدين، وأسوأ ما فيها الكِبْر والإقصاء اللذان يحكمان علاقتها بسائر الجماعات والحركات الإسلامية.

-4-

من أظهر صفات هذه المدرسة “الغلو” الذي يمثل ركناً رَكيناً في منظومتها الفكرية، فهي من أخصب البيئات إنتاجاً وتغذية واحتضاناً وتصديراً للغلو والغلاة في العالم الإسلامي، وهي تتوسع كثيراً في مسائل التكفير وتتهاون في الدماء، ومن أصول منهجها تكفير الأنظمة الحاكمة في جميع الدول العربية والإسلامية وتكفير الأجهزة الأمنية والعسكرية فيها، وينسحب هذا الحكم على الأعيان، من رئيس الدولة (كأردوغان على سبيل المثال) إلى أصغر جندي في الجيش وكل شرطي في الدولة.

-5-

تتبنى هذه المدرسة مفهوم “الجهاد العالمي” الذي يخلط بين دفع العدو الصائل الذي يحتل بلدان المسلمين وقتال الحكومات والأنظمة الوظيفية في جميع البلدان العربية والإسلامية، فلا تفرق بين ساحة وساحة ولا بين عدو وعدو، بل ربما قدّمت قتال الأنظمة المحلية “المرتدة” على قتال العدو الخارجي “الكافر”. كما أنها تعتمد مبدأ “التغلب” وتعتبره أسلوباً مشروعاً للوصول إلى السلطة، وهذا الاعتبار سهّل عليها قتال مخالفيها لإخضاعهم وإقامة الدولة وفرض الشريعة بالقوة، كما صنعت داعش سابقاً في العراق ثم في سوريا وكما تصنع جبهة النصرة في سوريا في هذه الأيام.

-6-

وهي أقلّ المدارس الإسلامية اهتماماً بالدعوة الشعبية والعمل الحركي والمدني، بل يكاد تاريخها الدعوي يقترب من العدم المطلق، لأن طريقة أصحابها هي فرض الشريعة بالقوة، سواء اقتنع بها الناس أم لم يقتنعوا. وهم يفرضون عادة منهجاً متشدداً متنطعاً يتوافق مع غلوّهم المعروف، وأكثر ما يهتمون به من مظاهر تطبيق الشريعة هو الحدود. بالمقابل فإن اهتمامهم بالقيم الإسلامية الإنسانية -كالعدل والشورى والكرامة والحرية والإنسانية- شبه معدوم، وتعاملهم مع جمهور المسلمين لا يختلف -من حيث الفوقية والوصاية والاستعلاء- عن تعامل سائر أنظمة الطغاة والمستبدين.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

قائد الثورة المفقود

قائد الثورة المفقود

مجاهد مأمون ديرانية

ابتُليت الثورة السورية بابتلاءات لا تُحصى، غيرَ أن قادتها هم أكبر ابتلاءاتها على الإطلاق. هذه حقيقةٌ ما عاد يختلف فيها اثنان من أحرار سوريا، فقد علم الجميع أن قادةَ الثورة عالةٌ على الثورة وأنهم أهم أسباب ضعفها وتشرذمها وتراجعها، فمنهم التقيّ الضعيف ومنهم القوي الفاجر، وأكثرهم طُلاّب دنيا وباحثون عن المكاسب والمناصب والجاه والسلطان.

فمَن هو القائد الذي نبحثُ عنه ولمّا نعثرْ عليه؟

إنه التقيّ القوي الذي يجمع بين المقدرة والنزاهة، الصادق الذي لا يغشّ والأمين الذي لا يخون، الشجاع الذي لا يخشى في الحق أحداً ولا يجامل مخلوقاً على حساب الشعب والثورة، العاقل الجريء الذي لا تغرّه الشعارات ولا تغلّه المزايدات، المتواضع الأصيل الذي لا يستبد برأي ولا يُفسده منصب ولا تُطغيه سلطة، العاقل البصير الذي يحسن التفكير والتقدير.

إنه القائد النبيل الرحيم الذي يحسّ بآلامنا ويشاركنا آمالنا، القائد الذي يعلم أن حريتنا وكرامتنا واستقلالنا أصول وجواهر لا مساومةَ عليها ولا تراجعَ عنها، القائد الذي يستخرج الصبر من وسط اليأس وينتزع النصر من فم الهزيمة، القائد الذي يُبصر النور في الظلام الحالك ويشقّ الطريق في الدغل المتشابك، القائد الذي يقود الثورة إلى الانتصار.

إننا نريد قائداً عظيماً يليق بثورة عظيمة، فهل نبحث عن كائن خرافي ليس له وجود؟ أعَقِمَ شعبٌ عريق عظيم أن ينتج قائداً له مثل هذه الصفات؟

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

هذه الحياة الصّعبة المتعِبة!

هذه الحياة الصّعبة المتعِبة!

مجاهد مأمون ديرانية

لا يكاد يخلو أحدٌ في الحياة من هَمّ وكدر، فلا توجد فيها أفراح بلا أتراح ولا مسرّات بلا أحزان، لا توجد لَذاذات بلا آلام ولا عافية بلا أسقام، كل راحة فيها بعدَها تعبٌ وكل سعادة بعدها شقاء، وكل حياة بعدها موت وكل لقاء بعده فراق.

لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصانُ   ***   فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتَها دولٌ   ***   مَن سَرّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد   ***   ولا يدوم على حال لها شانُ
فجائعُ الدهر أنواعٌ منوّعةٌ   ***   وللزمان مَسَرّاتٌ وأحزانُ

*   *   *

ما فينا أحدٌ إلا سافر براً ذات يوم فقطع المسافات الطوال. هل تذكرون طريقاً قطعتموه في أي يوم فكان نزولاً بلا صعود أو صعوداً بلا نزول؟ إن هذا لا يكون، فكل طريق على الأرض يمشي نزولاً مرة وصعوداً مرة، وكذلك الدنيا التي يعيش فيها الناس.

إن أرزاق العباد بيد الله، الله يقبضها ويبسطها، وأنت لم تسأل الله يوم بسط الرزق لك: يا ربّ لِمَ بسطت؟ فلا تسأله حين قَدَر الرزق عليك: يا ربّ لِمَ قَدَرْت؟ بل اشكر واصبر، اشكرْ وأعطِ إذا أقبلت عليك الدنيا، واصبِرْ وارضَ إذا أدبرت، فإنّ خير عباد الله الصَّبور الشَّكور.

وكذلك العافية والمرض: إنك لم تسأل الربّ حين عافاك لِمَ عافاك، فلا تسأله حين أمرضك لِمَ أمرضك، فإنك لن تعرف السر ولن تدرك السبب، ولكن اصبر واشكر في الحالتين. وكذلك إذا أعطاك الله الولد وإذا أخذ منك الولد، وإذا رزقكِ الله الزوج وإذا قبضه، وإذا أصبحتم يوماً في المسرّات وأمسيتم يوماً في الأحزان.

*   *   *

هذه الحياة دار كدر وشقاء: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، والكبَد هو جماع ما في الحياة من عناء وبلاء. وما استقبل عبدٌ بلاءَ الدنيا بأفضل من الصبر والرضا، فإنْ رضي عن الله وقضاء الله رضيَ عنه الله وأرضاه: “مَن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”، ومَن صبر فله البُشرى من الله وله منه الأجر بغير حساب: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّرِ الصابرين}، {إنّما يُوفَّى الصابرون أجرَهم بغير حساب}.

اللهم لا تحمّلْنا ما لا طاقة لنا بحمله. اللهمّ إنّا نعوذ بك من البلاء ونسألك العافية، وإذا ابتليتنا فنسألك أن تجعلنا من الراضين الصابرين الشاكرين.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

إحياء الدين وقتال الطواحين

إحياء الدين وقتال الطواحين

مجاهد مأمون ديرانية

إنّ إثارةَ المعارك التي تدور على المظاهر والشعارات والمسمَّيات وشَغْلَ المسلمين بها إنما هو مرضٌ من أمراض العقل المسلم المزمنة التي كان لها أثر كبير في هزيمة الأمة، وهو مرض يستنزف جزءاً كبيراً من طاقة الإسلاميين في قتال الطواحين ولا يدّخر للمعركة الحقيقية الفاصلة إلا الفُضول.

*   *   *

جلس أردوغان على مقعد الحكم وفوق رأسه صورة كبيرة لصنم تركيا الأكبر، مصطفى كمال (أتاتورك)، فلم يُثِرْ معركة لإنزال الصورة، ولا هو لاحق تماثيل الطاغية في الشوارع والميادين، بل ترك ذلك كله واشتغل بنقض البنيان “الكمالي”، فما زال ينقضه حجراً بعد حجر حتى ليوشك أن يأتي يوم قريب فإذا بهذا المشروع الظالم الآثم قد سُوِّي بالأرض وصار خبراً من أخبار التاريخ.

لقد ذبح أردوغان مشروع أتاتورك العلماني التغريبي بصمت، وبعضنا يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً ثم لا يخرج بشيء. لا نقول لأولئك الصاخبين: اقتدوا بأردوغان، إنما نقول: ليكن قدوتَكم سيّدُ الأنام وأعظم الدعاة على مرّ التاريخ، محمد عليه الصلاة والسلام، الذي لبث يصلّي في المسجد الحرام ويطوف بالكعبة المشرفة ثلاثة عشر عاماً وحولها مئات الأصنام، وكذلك طاف بها هو وأصحابه في عمرة القضاء، فلم يَمَسّها ولا اعترض عليها ولا أرهق نفسه بمعارك استنزافية مع أصحابها، بل أنفق وقته وجهده كله في إصلاح الأنفس وتغيير الناس، حتى إذا ظهر الدين وكان الفتح تفتت تلك الأصنام كلها وسقطت بأدنى جهد، تحطمت على الأرض بعدما تحطمت في القلوب.

*   *   *

يا شباب الأمة وعقلاءها: لا تشغلوا أنفسكم وتشغلوا الناس بالمزايدات والشعارات. اتركوا المظاهر واهتمّوا بالجواهر، اهدموا الباطل في قلوب الناس ينهدم الباطل على الأرض، وأحْيوا الدين في نفوس الناس يصبح الدين هو مشروع الناس في الحياة. أيها العقلاء المخلصون: كُفّوا عن قتال الطواحين.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق